فهرس الكتاب

الصفحة 1404 من 1503

عداه، وهكذا تتفاوت الدرجات إلى أن يرى ما سواه فانيًا ولا يرى في الوجود إلا اللّه تعالى.

ثم هذا قد يلوح لبعضهم كالبرق الخاطف، ومنهم من يثبت له ذلك، ولكن لا يدوم والدوام فيه عزيز.

وكل إلى شأو العلى حركاته ... ولكن عزيز في الرجال ثباته

ولم أمر صلى اللّه عليه وسلم بطلب القرب، فقيل له: (واسجد واقترب) قال في سجوده: (أعوذ بعفوك من عقابك) حيث لم ير إلا اللّه وأفعاله، واستعاذ بفعله من فعله؛ ثم اقترب وقال: (أعوذ برضاك من سخطك) حيث ترقى من مشاهدة الأفعال إلى مشاهدة الصفات؛ ثم اقترب وقال: (أعوذ بك منك) حيث ترقى من مشاهدة الصفات إلى الفرار منه اليه من غير رؤية فعل وصفة، لكنه رأى نفسه، ثم اقترب حتى فنى عن مشاهدة نفسه، إذ رأى ذلك نقصانًا؛ واقترب فقال: لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).

فقوله: لا أحصى ثناء عليك، تعبير عن فناء نفسه؛ وقوله: أنت كما أثنيت على نفسك، بيان أنه المثنى والمثنى عليه، وان الكل منه بدأ واليه يعود، وان كل شيء هالك إلا وجهه، فكان أول مقامه نهاية مقامات الموحدين، ومع ذلك كان يرى كل مرتبة بعدًا بالقياس إلى ما بعده، ولذلك قال أنه ليغان على قلبه، وكان أول أمر الله آخر مقامات الموحدين. هذا نطر التوحيد.

وأما نظر غيره: ففيه الشاكر والمشكور والشكر. ثم ان نعم الله تعالى آلات ان استعملها في الطاعة شكر لموافقته محبة مولاه، وان لم يستعملها في الطاعة واستعملها في المعصية كفر للنعمة للتضييع، وكل ما في الدنيا خلق آلة للعبد يتوصل به الى سعادة الآخرة ونيل القرب من اللّه، فالمعصية والطاعة تشتملها المشيئة ولكن لا تشتملها المحبة والكراهة، بل رب مراد محبوب ورب مراد مكروه.

وإذا عرفت هذه المقامات: فقد ظهر لك توجيه إلاشكالين المذكورين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت