فهرس الكتاب

الصفحة 1407 من 1503

العينان لينظر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه، ويتقي بهما ما يضره فيهما، فمن نظر إلى وجه غير المحرم فقد استعملهما في غير ما أريدتا له فكفر نعمة الأبصار، وهكذا في سائر الأعضاء.

فان قلت: إذا كان الكل راجعا إلى فعل اللّه فكيف يكون العبد موصوفًا بالشكر والكفران. فاعلم: ان تمام تحقيق هذا المقام لا يعرفه إلا من علم منطق الطير، ولا يجهله إلا من عجز عن إلا يضاع في السير.

واجمال هذا هو: أن صفات اللّه تعالى أحل وأعلى من أن يلحقها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها، فانخفضت عن ذروتها أبصارهم، فاستعاروا من حضيض البشرية أموراَ لها مناسبة معها تناسبًا ضعيفًا جدا فاستعاروا لها اسم القدرة مثلًا، وكذا المشيئة، مع قصور اللفظين عن كنه جلال ذينك الوصفين.

ثم الأفعال الصادرة عن القذرة: اما أن ينساق إلى غاية حكمتها أو يقف دونها. ثم ان هذين من حيث نسبة المشيئة إلى الأول يسمى محبوبًا، وإلى الثاني مكروهًا. ثم تعلق صفة المشيئة في الأزل إلى بلوغ شخص نهاية حكمته بتسليط دواعيه عليه قهرًا يسمى رضى، وتعلقها في الأزل إلى وقوفه دون نهايتها باستيقاف دواعيه عن ذلك قهرًا يسمى غضبًا.

ثم إذا ظهر هذا التقدير الأزلي في الشخص اما في الأول فيسمى الشكر ويردفه بالثناء، وأما في الثاني فيسمى بالكفران ويتبعه نقمة اللعن والمذمة زيادة في النكال. فحاصله: أن أعطى الجمال فأثنى عليه، وأعطى النكال فقبحه؛ كملك أعطى لمملوكه الثياب النفيسة وكسى هواياه، ثم وصفه الملك بالجمال، وكذا في ضده، فهو المثني والمثنى عليه بكل حال، فكأنه أثنى على نفسه من حيث المعنى وليس العبد إلا حرف الثناء من حيث الظاهر. والصورة هكذا تسلسلت الأسباب والمسببات بتقدير رب الأرباب ومسبب الأسباب.

ولما لم يكن ذلك عن اتفاق وبحث، بل عن إرادة وحكمة وحكم حق وأمر جزم استعير له لفظ القضاء فهو كلمح البصر، ثم استعير لترتيب آحاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت