الخلق، بل يتكدر عليه صفوه بنوائب الزمان، ثم يرد القيامة مفلسًا متحسرًا على ما يشاهده من ربح العالمين وفوز المقربين، وذلك هو الخسران المبين.
ومنها: أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وادراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره؛ وانما الذي يقلد عليه هو صاحب الشرع - صلوات الله عليه وسلامه - فيما أمر به وقاله؛ وانما يقلد الصحابة من حيث أن فعلهم يدل على سماع منه صلى الله عليه وسلم. ثم إذا قلد صاحب الشرع - صلوات الله عليه وسلامه فينبغي أن يحرص على فهم أسراره، ولا يكون وعاء للعلم لا عالمًا، ومن كشف عن قلبه الغطاء صار متبوعًا لمن يجيء بعده، فلا ينبغي أن يقلد المجتهد الآخر، فإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليدًا غير مرضي، فالاعتماد على التصانيف أبعد، لأنها محدثة بعد الصحابة وصدور التابعين، وانما حدثت بعد مائة وعشرين سنة من الهجرة.
وأما السلف فقد امتنعوا عن تصنيف الكتب بل كتب الأحاديث، حتى أن أبا بكر كره كتب المصاحف في مصحف واحد كما عرفت تفصيله، وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك تصنيفه الموطأ، وقال: ابتدع ما لم يفعله الصحابة؛ وقيل: أول كتاب صنف في الاسلام كتاب ابن جريج في الآثار؛ وحروف التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس بمكة؛ ثم كتاب معمر ابن راشد الصنعاني باليمن، جمع فيه سنن شتى منثورة مبوبة؛ ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس؛ ثم جامع سفيان الثوري. ثم في القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام، وكثر الخوض في الجدال والخوض في أبطال المقالات. ثم مال الناس اليه وإلى القصص والوعظ، فأخذ علم اليقين في الاندراس ذلك الزمان، حتى صار يستغرب علم القلوب، والتفتيش عن صفات النفس ومكائد الشيطان، وأعرض عن ذلك الا الأقلون، فصار يسمى المجادل المتكلم عالماَ، والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالمًا، وأصبح علم الآخرة مطويًا.
ومنها: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور وان اتفق عليه الجمهور،