فهرس الكتاب

الصفحة 971 من 1503

والتحقيق فيه إنك قد عرفت فيما ذكرناه من التحقيق، أن في الانسان قوة جزئية محلها الدماغ، من شأنها الادراك بالنظر، وفيه قوة كلية محلها القلب الأول فاليقين بالمعنى الثاني حاصل فيه، وهما مشتركان في معنى التصديق الجازم الثابت المطابق للواقع؛ إلا أن الحاصل في القوة الجزئية - لتوقفه على التفات النفس الى ذلك - ربما يسهى عنه ويغفل فلا يعمل بمقتضاه، بخلاف الثاني فانه الحاصل في النفس لا في الآية، فلا يحتاج الى التفات النفس الى ذلك مثل احتياجه في الأول، لأنه علم حضوري لا يغيب عن النفس، فلا يغفل عنه أصلًا لولا ملابسة الكدورات. فالادراكان المذكوران متحدان، والتغاير بحسب المحل. ومن نظر الى اتحادهما حقيقة يقول: الايمان لا يزيد ولا ينقص؛ وما نظر الى مغايرتهما بحسب المحل يقول بزيادته ونقصه؛ إذ لا يخفى أن الإِيمان الحاصل بطريق العلم الحضوري أقوى من الحاصل بطريق العلم الحصولي، فاحفظ هذه الغاية لأنك قلما تجدها فيما عهدت من الكتب. ولذلك ترى أكثر المؤمنين - لاقتصارهم بالايمان على الطريق الأول - يغفلون عن كثير من أحكامه؛ وأما الذين يكملونه على الطريق الثاني ترى فيهم الحياء والخوف والذل والاستكانة والخضوع، وغير ذلك من الأوصاف المتشعبة من الإيمان.

ومنها: أن يكون العالم حزينًا منكسرًا مطرقًا صامتاَ، يظهر أثر الخشية على أحواله، ويكون نظره مذكرًا لله تعالى والآخرة، وتكون صورته دليلا على علمه، فهم الذين سيماهم على وجوههم من أثر السجود.

ومنها: أن يكون أكثر بحثه فيما يفسد من الأعمال، وفيما يشوش القلوب ويشوش الوساوس ويثير الشره، ولا يكون ممن يتبعون غرائب التعريفات في الحكومات والأقضية، ويتغنون في وضع صور ينقضي الدهر ولا تقع أو تقع لغيره، لأنه إذا وقعت وفي العالمين بها كثرة يكفون مؤونته؛ وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر، إيثارًا للقبول أو التقرب من الخلق على القرب من الله تعالى، وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققًا عالمًا بالدقائق، وجزاؤه من الله تعالى أن لا ينتفع من الدنيا بقبول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت