فهرس الكتاب
الانكار عليهم وتضييق صدورهم باظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم، فالداخل عليهم: أما أن يلتفت الى تجملهم فيزدري نعمة الله تعالى؛ أو يسكت عن الانكار عليهم فيكون مداهنًا؛ أو يتكلف في كلامه بمرضاتهم وتحسين حالهم وذلك هو البهت الصريح؛ أو يطمع في أن ينال من دنياهم وذلك هو السحت. وعلى الجملة فمخالطتهم مفتاح لعدة شرور، وعلماء الآخرة طريقهم الاحتياط.
ومنها: أن لا يكون مسارعا للفتوى، بل يكون متوقفًا متحرزا ما وجد الى الخلاص سبيلا، فان وجد عما يعلمه تحقيقًا أفتى، وان سئل عما يشك فيه قال: لا أدري، وان سئل عما يظنه باجتهاد أو تخمين احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره، وان كان في غيره غنية. هذا هو الحزم، لأن تقلد خطر الاجتهاد عظيم.
ومنها: أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة، فان المجاهدة تثمر المراقبة في دقائق علم القلوب، والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكر، والانقطاع اليه عما سواه، فذلك مفتاح الالهام ومنبع الكشف. وكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعة بكلمة، وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفرة على العمل ومراقبة القلب، فتح الله له من لطائف الحكم ما يحار فيه عقول ذوي الألباب.
ومنها: أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين الذي هو رأس مال الدين.
واعلم أن اليقين عند المتكلمين، هو رجحان أحد طرفي الحكم رجحانًا لا يقبل التشكيك، وهو الذي لا يتصور الإيمان بدون بلوغه هذه المرتبة؛ وعند الفقهاء والصوفية وأكثر العقلاء: أن يستولي ذلك الإدراك على النفس، ويغلب على القلب، وهذا انفعال للقلب عن هذا الادراك، ونفوذه في القلب مثل تأثير الحناء في اليد وانفعال اليد منه؛ مثلًا: يقال هذا الرجل لا يوقن بالموت، لما أنه يغفل عنه ويسهو عن العمل بمقتضاه؛ ويقال: هذا الرجل له قوة اليقين بالموت، يعني أنه مستغرق الهم في استعداده، مع أن كليهما متساويان في القطع بموته: وربما يعبر عن هذا المعنى بالاذعان وعن الأول بالادراك.