فهرس الكتاب

الصفحة 1385 من 1503

وأما كيفية وجوبها: فهي أنه لا مبعد عن اللّه إلا اتباع الشهوات، ولا مقرب اليه تعالى إلا انقطاع عن الذنوب، ولا يمكن الانقطاع عنه إلا بالمعرفة والندم والعزم المعبر عن مجموعها بالتوبة.

فإِن قلت: مرجع التوبة إلى الألم وهو لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يوصف بالوجوب؛ قلت: سبب الألم الحاصل من الندم، وهو المعرفة التي لها أسباب اختيارية.

فان قلت: أليس للعبد اختيار في الفعل والترك؛ قلت: نعم للعبد اختيار، مع أن الكل مخلوق له تعالى، وذلك لأن اللّه تعالى لا يخلق حركة اليد بكتابة ما لم يخلق فيها صفة القدرة والحياة والإرادة، والإرادة المجزومة متفرعة على الداعية، وهي على العلم، وله أيضًا أسباب أخر مترتبة، وكل هذا من اختراع الله تعالى. ولكن بعض هذه شرط للبعض،، والعبد يجري تحت هذه الحوادث المترتبة في قضاء اللّه الذي هو واحد كلمح البصر ترتيبًا كليًا لا يتغير، إنما ظهورها على التفصيل مقدرة بقدر.

فإذا ظهرت من باطن الملكوت الأمور المذكورة على جسم عبد مسخر تحت قهر لتدبير سبق، أهل عالم الملك والشهادة إلى أن العبد قد تحرك، فحينئذ ينادي من وراء سرادقات الملكوت أيها العبد: (ما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى) . وعند هذا تحير عقولهم. فمن واحد قال بالجبر، ومن آخر قال بالاختراع، ومن متوسط بينهما مائل الى الكسب. إلا أنهم لو نظروا إلى عالم الغيب والملكوت، لظهر لهم أن كل واحد من الطرائق المذكورة صادق في مذهبه إلا أنه لم يحظ علمه بجوانبه، إلا أن القاصرين يفهمون من هذا الكلام صدق الأقوال المتضادة ويقولون أنه باطل جزمًا. إلا أن تحقيق هذا المقام يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها ولسنا نتكلم فيها ههنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت