فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 1503

ولا يجوز أن يسأل من حيث لا يدري، لأن في ذلك إساءة ظن وهتك سر، وفيه تجسس وفيه تشبيه بالغيبة وان لم يكن صريحًا، وكل ذلك منهى عنه في آية واحدة قال اللّه تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن أثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا) . فكم من زاهد جاهل تجسس الجاهل عنده ذلك طلبًا للشهرة بأكل الحلال، ولو كان باعثه الدين لكان خوفه من ايذاء مسلم أشد من خوفه على ان يدخل بطنه ما لا يدري وهو غير مؤاخذ بما لا يدري. فطريق الورع في أمثاله الترك دون التجسس، وان لم يكن بد فالورع الاكل واحسان الظن.

الحالة الثانية: أن يكون مشكوكًا فيه بسبب دلالة اورثت ريبة: أما في خلقته بأن يكون على خلقة الاتراك والبوادي والمعروفين بالظلم وقطع الطريق وأن يكون طويل الشارب، وأما في زيه: بان يكون لباسه على زي اهل الفساد من الظلمة والأجناد، وأما من فعله وقوله: بأن يشاهد منه الأقدام على أخذ الحرام. والحكم فيه جواز الإقدام نظرًا إلى ضعف الأدلة وقوة اليد والإسلام ورجحان الترك، لأن اليد دلالة ضعيفة، وقد قابلها مثل هذه فأورثت ريبة.

وأما الورع هو الثاني، وهو الذي يختار ويفتى به لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) . ثم أن بين هذه الدلالات تفاوتًا، فإن طول الشارب وهيئة الأجناد، وكذا القول والفعل المتعلقان بظلم المال، وكذا الأمر بالغصب والظلم، أو العقد بالربا أقوى في الدلالة ممن شتم غيره في غضبه واتبع نظره امرأة، إذ كم من إنسان يتحرج في طلب المال ولا يكسب إلا الحلال، ومع ذلك فلا يملك نفسه عند هيجان الغضب والشهوة. فلا يمكن أن يضبط هذه الدلالات بحد، فالمرجع هو الاستفتاء بالقلب.

ثم أن ما ذكر في مجهول المال: وأما أن رأيته ممن عرفته بالورع في العبادات يصير في حكم المال كالمجهول لتعارض الأدلة في حق المال، إذ لا يلزم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت