فهرس الكتاب
وقول القائل: لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا فهو كذلك، لكنه حرام علينا وحلال للفقير فرضينا له الحلال.
وأعلم: أن المال إذا كان مختلطًا من الحرام والحلال يخص الحلال بنفسه اذ لا يعذر نفسه في الحرام، ويعطي الحرام العيال لأنهم ربما يعذرون بعدم العلم، ثم أنه يخص بالحلال قوته ولباسه، وأما إذا أريد تخصيص واحد منهما فيخص الحلال بالقوت اذ ينبت لحمه ودمه منه، واللباس انما هو ساتر من الحر والبرد فالاهتمام بالأول أولى. وقال الحارث المحاسبي: يقدم اللباس لبقائه مدة بخلاف الطعام.، الا أن المختار تقدم القوت. ولهذا تقيأ الصديق رضي اللّه عنه لبنًا شربه مع الجهل بحاله لئلا ينبت منه لحم.
فإن قيل: بعدما صرف الكل إلى أغراضه لا يبقى الفرق بين نفسه وغيره، قلنا: عرف ذلك التفاوت مما روى أن رافع بن خديج مات وخلف ناضحا وعبدًا حجامًا، فسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فمنع من كسب الحجام، فروجع مرات فمنع، فقيل له: ان له أيتاماَ، فقال: اعلفوه الناضح. فهذا يدل على الفرق بين ما يأكله هو ودابته.
ثم إذا تصدق على الفقراء الحرام يوسعه عليهم، وإذا أنفق على نفسه فلينفق ما قدر وان أنفق على عياله فليقتصد. وأما الضيف: فان كان فقيرًا يوسعه عليه منه، وان كان غنيًا فلا يطعمه منه الا في برية أو قدم ليلًا لم يجد شيئًا. وان كان الضيف الفقير تقيًا ورعًا فليعرض الطعام، وليخبره جمعًا بين حق الضيافة وترك الخداع، ولا يقول أنه لا يدري فلا يضيره لأن الحرام يؤثر في قساوة القلب.
وان كان الحرام في والديه فليمتنع من أكل طعامهما وان سخطا، اذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وان كان شبهة فالامتناع للورع فليتلطف في الامتناع لأن رضاهما أيضًا ورع بل واجب. فإن لم يقدر فليوافق، وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ، ولا يتوسع فإن ذلك غرور. والأخ والأخت قريب منهما لأن حقهما أيضًا مؤكد، وكذا إذا ألبسته أمه ثوبًا من شبهة وكانت