فهرس الكتاب

الصفحة 1199 من 1503

القسم الأول: حبك الانسان لذاته، وذلك بأن تلتذ برؤيته ومعرفته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له، فإن كل جميل لذيذ وكل لذيذ محبوب، فاللذة تتبع الاستحسان، ويتبع هو المناسبة والموافقة من الطباع.

ثم ذلك المستحسن: أما أن يكون صورته الظاهرة أو الباطنة - أعني: كمال العقل المثمر غزارة العلم، وحسن الخلق المثمر حسن الأفعال.

وقد تكون الألفة بمناسبة باطنة توجب الألفة، فإِن شبه الشيء منجذب إليه، وتلك المناسبة لها أسباب دقيقة ليس في قوه البشر الاطلاع عليها، واليه يشير قوله صلى اللّه عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف) .

وكان مالك بن دينار يقول: كل انسان يأنس بشكله كما أن كل طير مع جنسه. فرأى يومًا غرابًا مع حمامة فعجب من ذلك، فلما طارا فإذا هما أعرجان، فقال: من ها هنا اتفقا. فقد ظهر منه أن الحب قد يكون لا لنفع صوري. ويدخل فيه الحب للجمال بدون ملاحظة الشهوة، فإن الصورة الجميلة مستلذة في عينها - وان فرض عدم الشهوة - كما يستلذ الماء والخضرة والأزهار فهو محمود في نفسه. وان اتصل به غرض مذموم من الشهوة الحرام صار مذمومًا، وان اتصل به غرض مباح لا يذم ولا يحمد.

وفي هذا القسم لا يدخل حب اللّه لأنه طبيعي، وحب اللّه ليس كذلك.

القسم الثاني: لينال من ذاته غير ذاته، فيكون المحبوب الغير وهو وسيلة اليه. والطريق الى المحبوب محبوب ومنه محبة الذهب والفضة. ثم القصد بالوسيلة: اما إلى المال والجاه كحب الملوك والسلاطين، أو العلم كحب التلميذ الاستاذ. وليس في شيء منها محبة اللّه تعالى اذ يتصور كل ذلك ممن لا يؤمن باللّه تعالى. الا أنه قد يكون مذمومًا إذا قصد التوصل إلى قهر الأقران بالمال، وحيازة أموال اليتامى بالجاه، وظلم الرعايا بالعلم بولاية القضاء أو غيره. وقد يكون مباحًا إذا توسل الى مباح، اذ الوسيلة بكسب الحكم والصفة من المتوسل اليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت