فهرس الكتاب

الصفحة 1310 من 1503

وكان ابراهيم إذا طلبه في الدار من يكره قال للجارية: قولي له أطلبه في المسجد، وكان لا يقول: ليس هو ههنا كيلا يكون كاذبًا.

وكان الشعبي يخط خطًا ويقول للجارية: ضعي إصبعك فيها وقولي: ليس هو ههنا. وهذا كله في موضع الحاجة وإلا فهو مكروه لأنه تفهيم الكذب.

إلا إن الحاجة في المعارض خفيفة؛ كتطييب قلب الغير بالمزاح، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الجنة عجوز وفي عين زوجك بياض) ؛ (ونحملك على ابن البعير) وما أشبهه.

وأما صريح الكذب مطايبة فليس بفسق ولكنه يترك، كما يلاعب الناس الحمقاء بتغريرهم بان امرأة رغبت في تزوجك فان كان فيه ضرر وإيذاء قلب فهو حرام. ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق قولهم: طلبتك مائة مرة، إذ لا يريد تفهيم المرات بل الكثرة، فان طلبه كثيرًا لم يأثم. ومن ذلك القبيل قولهم: لا أشتهيه، إذا قيل له: كل الطعام، وهو حرام إن لم يكن فيه غرض صحيح.

ومن الآفات: الغيبة. وقد نص الله تعالى على ذمها وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة، وقد ذمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه؛ سواء ذكرت نقصانًا في بدنه أو في نسبه أو في خلقه أو في فعله وقوله، أو في دينه ودنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته. ثم إنها لا تقتصر على اللسان بل التعريض فيه كالتصريح، والفعل فيه كالقول وإلا شارة والإيماء والرمز والغمز والحركة والكناية، وكل ما يفهم المقصود وكل ذلك حرام. ومن ذلك: ذكر المصنفين شخصًا معينًا وتهجين كلامه اللهم إلا لعذر محوج إلى ذلك.

ومن اخبث أنواعها قول القراء المرائين: الحمد للّه الذي لم يبلنا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام عند ذكر شخص حاله كذلك؛ أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء فان ذلك ذم الغير مع الرئاء؛ وكذلك ربما يقول: ما أحسن فلانًا لولا تقصيره في العبادات، ولكنه ابتلى بما ابتلينا، فيذم غيره ويمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم، فيغتاب ويرائي ويزكي نفسه؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت