فهرس الكتاب
الإنسان به نفسه وربه وخطر الخاتمة، وان حجة اللّه على العلماء أعظم من حجته على الجاهل، وذلك يقتضي أن يرى كل أحد خيرًا منه.
والكبر في العالم: أما باشتغاله بما ليس هو يعلم؛ كالطب والحساب واللغة والشعر والنحو وطريق فصل الخصومات والمجادلات، وهذه صناعات، وإنما العلم الحقيقي ما يورث الخشية والتواضع؛ وأما بأن يشتغل بالعلم لكن هو خبيث الدخلة رديء النفس سيئ الأخلاق، لأنه لم يشتغل أولا بتهذيب نفسه، فإذا خاض في العلم - أي علم - كان صادف من قلبه منزلًا خبيثًا، فلم تطب ثمرته، ولم يظهر في الخير أثره، وإنما العلم كالغيث تشربه الأشجار فيزيد المر مرارة والحلو حلاوة، وكذا العلم يزيد المتكبر كبرًا والمتواضع تواضعًا.
وما أعز على بسيط الأرض عالمًا لم يحركه عز العلم، ولو عرفنا ذلك بأقصى الصين لسعينا إليه رجاء أن تشملنا بركته وتسري إلينا سيرته وسجيته، ولكنه هيهات أنى يسمح آخر الزمان بمثلهم.
الثاني: العمل والعبادة؛ بأن يروا غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيارة غيرهم، ويتوقعون قيام الناس بحوائجهم، وتوقيرهم والتوسيع لهم في المحافل، وذكرهم بالورع والتقوى، وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق؛ وكذا في الدين: يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيًا إلا أنه هو الهالك تحقيقًا.
وان منهم من يظن أنه أكرم على اللّه من الأنبياء حيث انتقم له من أعدائه إذا أصابهم مكروه، ويزعم أن ذلك من كراماته، وكثير من أعداء الأنبياء أمهلهم اللّه في الدنيا وربما أسلم فسلم في الآخرة أيضًا.
ثم الكبر في العلماء: أما أن يستكن في قلبه ويتواضع ظاهرًا، أو يظهر على أفعاله أيضًا، وأشد منهما من يظهر في أقواله، بأن يدعي بالمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس وحكايات الأعمال والمقدمات، والتبشر بغلبة في العلم والعمل.
الثالث: التكبر بالحسب والنسب. وذلك عرق دفين في النفس قلما ينفك عنه نسيب وإن كان عاقلًا وصالحًا إلا أنه يطفئ ذلك بنور بصيرته.