فهرس الكتاب
عاكفون في حضرة الربوبية فلا حاجة بنا إليها. وهؤلاء مغرورون حرموا الاغتنام بخدمة شيخ صالح عالم فوقعوا في حزب الشيطان، وأمثال هؤلاء كثيرة.
ثم أن بعضًا من هؤلاء تجاوزوا حدهم، وأحسنوا الأعمال وطلبوا الحلال واشتغلوا بتفقد القلب، وصارت تدعى المقامات: من الزهد والتوكل والرضا والحب، من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها. وان منهم من يخيل في اللّه خيالات هي بدعة أو كفر، فيدعي حب اللّه قبل معرفته.
ومنهم: من يخوض في البراري من غير زاد لتصحيح التوكل وذلك بدعة، إذ السلف كانوا يأخذون الزاد ويتوكلون. وبعض هؤلاء ضيقوا على أنفسهم في أمر القوت وأهملوا تفقد القلب والجوارح.
وفرقة أخرى ادعوا حسن الخلق والتواضع والسماحة، فتصدوا لخدمة الصوفية، فجمعوا قوماُ وتكفلوا بخدمتهم، واتخذوا ذلك شبكة للرياسة وجمع المال حتى من السلاطين.
وأخرى منهم اشتغلوا بتهذيب الأخلاق والفحص عن عيوب النفس وآفاتها، ويقولون: هذه عيب، والغفلة عن كونه عيبًا عيب، والالتفات إلى كونه عيبًا عيب، ويشتغلون بكلمات مسلسلة تضيع الأوقات في تلفيقها. ومثاله: من فاته الحج لاشتغاله بعوائقه وآفاته.
وفرقة تجاوزوا عن حد هؤلاء، انفتح لهم باب المعرفة فتعجبوا منها وفرحوا بها، فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر في كيفية انفتاح بابها عليهم، فيحرم بذلك عن المقصد.
وفرقة أخرى جاوزوا حد هؤلاء حتى قاربوا أو وصلوا إلى حد القربة، فظنوا أنهم وصلوا إلى اللّه عز وجل، فوقفوا وغلطوا، فان للّه سبعين حجابًا من نور لا يصل السالك إلى واحد منها إلا ويظن أنه وصل إلى المقصد وهذا غرور عظيم.