فهرس الكتاب
الفرح بالمنعم لا بالنعمة والإحسان والأنعام. وبالجملة: الفرح بالنعمة من حيث أنها مال ليس من الشكر أصلًا، والفرح بها من حيث يستدل به على عناية المنعم ونيل المحل والقبول عنده، وهذا شكر الصالحين الذين يعبدون اللّه تعالى ويشكرونه خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه.
وأما الفرح بالنعمة من حيث ان له محلًا عند الملك، لكن لا يقنع بهذا القدر بل يفرح من حيث يتدرج به إلى القرب منه، ويكون محل نظر المنعم، ويتوسل بذلك إلى النظر إلى وجه. المنعم والنزول في جواره، فهي الرتبة العليا للشكر. وإمارته: أن يفرح من الدنيا لكونها مزرعة للآخرة، ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر اللّه تعالى وتصده عن سبيله.
ثم الفرح المذكور له عمل بموجبه، وذلك العمل: اما بالقلب وهو قصد الخير وإضماره لكافة الخلق، وأما باللسان فإظهار الشكر للّه بالتحميدات الدالة عليه، وأما بالجوارح فاستعمال نعم اللّه في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته، حتى أن شكر العينين أن يستر كل عيب يراه لمسلم، وشكر الأذنين ان يستر كل عيب يسمعه، والشكر باللسان إظهار الرضا عن اللّه وهو مأمور به، وهكذا في كل عضو. فهذه هي حقيقة الشكر.
وأما الحدود الواقعة فيه فأكثرها قاصر عن أداء مجموعه؛ مثلًا: قول من قال: الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه -نظر إلى فعل اللسان- وبعض أحوال القلب؛ وقول حمدون القصار: شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليًا إشارة إلى أن المعرفة معنى من معاني الشكر فقط؛ وقول الجنيد: أن لا ترى نفسك أهلًا للنعمة، إشارة إلى حال من أحوال القلب على الخصوص.
والحد الأقرب إلى جمع أكثر المعاني قول القائل: الشكر الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة، وإنما يشذ من ذلك عمل اللسان فقط.