فهرس الكتاب

الصفحة 1464 من 1503

على درجات فلا يتصور التقدير فوق هذا في أمثال هذه المراتب، فالأفضل أن لا يدخر أصلًا.

ثم كل ما قل ادخاره كان فضله أكثر، ولكن هذا في حق من لا ينزع قلبه بترك الادخار، بل لا يلتفت قلبه الا إلى الوكيل الحق وإلا فالادخار له أولى، لأن المقصود تجرد القلوب بذكر اللّه، ورب شخص شغله وجود الدنيا، ورب شخص شغله عدمها. ولذلك لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم التجار عن تجارتهم بل دعا الكل إلى اللّه فقط. هذا حكم المنفرد.

و أما المعيل: فله ادخار قوت سنة لعياله جبرًا لضعفهم وتسكينًا لقلوبكم، وما فوق ذلك مبطل للتوكل، لأن الأسباب تتكرر عند تكرر السنين، فادخار ما يزيد عليه سببه ضعف القلب، والمتوكل عبارة عن موحد قوى القلب، مطمئن النفس إلى فضل اللّه، واثق بتدبيره، دون وجود الأسباب الظاهرة. وقد أدخر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعياله قوت سنة ليبين ذلك لضعفاء أمته. وكيف لا وقد نهى بلالًا عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها، فقال: (أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا) . وذلك لأنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر أن اللّه تعالى يحب أن يؤتى رخصه كما يحب أن يؤتى عزائمه، تطيبًا لقلوب الضعفاء لئلا يتركوا الميسور عليهم لعجزهم عن منتهى الدرجات.

ثم أن الناس يختلف حالهم: فمن واحد يليق بحاله الرخصة، ومن آخر يتضرر بالرخصة.

وبالجملة: الغرض فراغ القلب عما سوى اللّه تعالى سواء أمكن ذلك بالعزيمة أو بالرخصة.

واعلم: ان الأسباب الدافعة للضرر تجب المباشرة بها ان كانت مقطوعًا بها، والاحتراز عنها ان كانت موهوبة، والمظنونة ربما تكون في حكم المقطوع بها بالتجارب، وان لم تكن كذلك فالاحتراز عنها أيضًا أفضل؛ مثلًا: الصبر على أذى السباع والحيات ليس من التوكل إذ لا فائدة فيه.

فعليك الاحتراز عن أمثالها، ولا تغتر بمن وضع يده على الأسد ولم يضربه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت