فهرس الكتاب

الصفحة 1484 من 1503

وأما حقيقته: فان الرضا مما يثمر المحبة، وذلك لوجهين: أما أن لا يحس الألم ولا يدركه لاستغراقه بمشاهدة محبوبه، وأما أن يحس به ويدرك الألم ولكن يرضى به بل يرغب فيه، مريدًا بعقله وان كان كارهًا بطبعه؛ كمن يجد ألم الفصد ويرضى به بل يشكر الفصاد. وقد يكون ذلك لطلب الأجر والثواب، وقد يكون لكونه رضا حبيبه مطلوبًا ومرادًا عنده.

وأما الفسق والفجور والمعاصي، فلها وجهان: وجه إلى الله تعالى من حيث أن فعله واختياره وإرادته، فيرض به من هذا الوجه تسليمًا للملك إلى ملكه ورضا بما يفعله؛ ووجه إلى العبد من حيث انه كسبه ووصفه، وعلامة كونه ممقوتًا عند الله تعالى فهو من هذا الوجه منكر ومذموم. فالسكوت عنه وتسميته حسن خلق جهل محض.

ولا يخفى أن الرضا والكراهة ضدان لا يجتمعان من جهة واحدة ولكن من جهتين فجائز، وكذا يتقرر كيفية الجمع بين الرضا بالقضاء وبين البغض في الله والحب في الله والتشديد والتغليظ على الكفار والمبالغة في مقتهم.

وبالجملة: الخير والشر كلاهما من الله، ومن قال: الشر ليس منه فهو جاهل، وكذا ما قال: إن كلاهما منه بوجه واحد؛ بل الشر مراد مكروه والخير مراد مرض. ووراء هذا سر القدر الذي منع عن إفشائه.

و أما الدعاء للبلاء مع وجوب الرضا بالقضاء، فلان الدعاء يستخرج منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع، ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحًا للكشف وسببًا لتواتر مزايا اللطف، فيكون الدعاء من قبيل مباشرة الأسباب. ولا يخفى أن الرضا من باب التوكل، وقد عرفت أن لا منافاة بين مباشرة الأسباب والتوكل.

وأما الفرار من بلاد تكثر فيها المعاصي فلا يخالف الرضا، وليس ذلك فرارًا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه. وأما نهى الفرار عن بلد الطاعون، فذلك ليس لحرمة الخروج بل لئلا يهمل أمر المرضى فيهلكون هزلاَ وضرًا. وقد عرفت تفصيل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت