فهرس الكتاب

الصفحة 1489 من 1503

ثم أن من انبعث لقصد القربة ولكن امتزج بخاطر آخر من حظوظ النفس؛ كمن صام للقربة وقصد معه الحمية، أو حج للقربة مع قصد صحة المزاج بحركة السفر، أو تعلم العلم لله مع قصد العز بين العشيرة، أو كتب مصحفًا للقربة وقصد أن يجود خطه بالمواظبة، ونحو ذلك من أمثال هذه الخطرات التي يخف معها العمل فقد خرج بهذه عن الإخلاص وتطرق إليه الشرك. ولما كان الإنسان قلما ينفك عن أمثال هذه الحظوظ قيل: من سلم له في عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله تعالى نجا.

ثم أن هذه البواعث: أما أن تكون مثل القربة أو أقوى منه أو أضعف. والإخلاص تجرد النية عن هذه البواعث كلها حتى يتجرد فيه قصد القربة عن باعث غيره، وهذا لا يتصور الا من محب لله تعالى، فلا يكون له هم إلا الله. ومن لم يكن كذلك فباب الإخلاص كالمسدود عليه الا على الندور. فعلاج ذلك: كسر حظوظ النفس والتجرد للآخرة وغلب ذلك على القلب.

ثم إن الإنسان ربما يتعب في الأعمال ويظنها خالصة وليس كذلك. فهاهنا موضع غرور قلما يسلم منه أحد وقلما يتنبه له سيما العلماء، إذ الباعث للأكثر ين على نشر العلم لذة الاستيلاء والاستبشار بالحمد والثناء، وهو يظن أنه غرضه نشر دين الله والنضال عن شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا الحال في الوعظ.

وربما يظن العالم أن نشره للعلم لوجه الله، حتى يظن من نفسه أنه لو قام أحد مقامه فيه لفرح به ولم يغتم. الا أنه غرور باطل اذ لا عبرة بوعد النفس قبل نزول الأمر. فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق يغرق فيه الأكثر ون إلا الشاذ النادر والفرد الفذ.

والكلام في تفسير الإخلاص كثير. إلا أن البيان الشافي ما وقع عن سيد الأولين والاخرين صلى الله عليه وسلم، اذ سئل عن الإخلاص فقال: (أن تقول لم ربي الله ثم تستقيم كما أمرت) . أي: لا تعبد هواك ونفسك، ولا تعبد الا ربك، وتستقيم في عبادتك كما أمرت. وهذه إشارة إلى قطع كل ما سوى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت