فهرس الكتاب
المعاصي، إن قلت: إن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وان قلت أنه يراك فما أشد وقاحتك، وان اغتررت بمكره وفضله فمالك لا تغترين بهما في أمر الدنيا وان رب الدنيا والآخرة واحد، وان ليس للإنسان إلا ما سعى، ولا تظنين انك إذا مت انفلت وتخلصت، هيهات هيهات، كيف تكذبين أنبياء الله، فان صدقتهم فما بالك تسوفين العمل والموت لك بالمرصاد، فبماذا أمنت استعجال الأجل، وما الباعث لك على التسويف فتنظرين يومًا لا يعسر فبه مخالفة الشهوات، فهذا من أقبح الجهالات إذ الجنة حفت بالمكارة، والنار بالشهوات، مع أن شجرة الشهوة تقوى وترسخ مهما طال الزمان، سيما والقوة مهما تأخرت تكون في النقصان، إذ رياضة الهرم من العناء، والقضيب إذا غلظ لا يقبل الانحناء كل، وان لم تصبري عن مقارفة الشهوات فتأملي أن ألم الصبر عنها أعظم أم ألم الصبر على النار.
فإذا عرفت هذا، فلعلك لا تتوانين عن النظر لنفسك إلا لضعف يقينك بيوم الحساب، وهو الكفر الخفي، واعتمادك على كرم الله تعالى وعفوه من غير التفاتك إلى استدراجه ومكره واستغنائه عن عبادتك، وهذا هو الحمق الجلي، وإنما كرم الله تعالى في تعريف أسباب الخلاص لا في أن يدفع عنك العقاب بدون التحصن بحصنه أعني التوحيد والطاعات.
ويحك! فأحسبي انك غافلة عن عذاب الله وثوابه، أما تعلمين انك تفارقين الدنيا بالموت فلا يبقى لك الا حسرة مفارقتها، تعمرها وأنت ترتحلين عنها، وتخربين أخرتك وأنت تصيرين اليها، ولعلك أسكرك حب الجاه وحاصله ميل قلوب الناس إليك، فأحسبي أن كل من على وجه الأرض سجدوا لك وأطاعوك، فما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود، فأن الدنيا ربما يفضلك فيها المجوس واليهود، فيا حسرة عليك، ان الموتى يتمنون الرجعة إلى الدنيا ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم، وأنت في أمنيتهم غافل عنها ذاهل.
أفتظنبن أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت من الخالدين، هيهات هيهات، ساء ما تظنين، ما أنت إلا في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، أما تخافين إذا بلغت النفس منك على التراق، وتبشري بالعذاب، فهل ينفعك حينئذ الندم،