الزهد والولاية والعبادة والانقطاع والكشف متواضعًا لله تعالى، قدوه للصلاح، ذا بصيرة صافية، تلوج منه الكرامات، كان يعذل أصحابه على اشياء ما اطلع عليها، وسمع الإذان بجامع مصر من غير المؤذنين مرارًا، وكان محفوظ اللسان، يمنع جلساءه من فضول الكلام، لا يجلس للاقراء الا متطهرًا خاشعًا، مواظبًا على السنة. كان شافعي المذهب. بلغنا أنه ولد أعمى.
ولقد حكى عنه أصحابه ومن كان يجتمع به عجائب، وعظموه تعظيمًا بالغًا، حتى أنشد الحافظ العلامة أبوشامة المقدسي من نظمه في ذلك:
رأيت جماعة فضلاء فازوا .... برؤية شيخ مصر الشاطبي
وكلهم يعظمه ويثني ... كتعظيم الصحابة للنبي
قال الجزري: أخبرني بعض شيوخنا الثقات، عن شيوخهم، أن الشاطبي كان يصلي الصبح بالفاضلية بغلس، ثم يجلس للاقراء، فكان الناس يتسابقون السرى إليه ليلًا، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله: من جاء أولًا فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق، فاتفق أن قال يومًا: من جاء ثانيًا فليقرأ، وبقي الأول - وكان من أصحابه - لا يدري ما الذنب الذي أوجب حرمانه، ففطن أنه أجنب تلك الليلة، ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك، فبادر إلى حمام جوار المدرسة، فاغتسل ورجع قبل فراغ الثاني، والشيخ قاعد أعمى، فلما فرغ الثاني قال الشيخ من جاء أولا فليقرأ. وهذا من أحسن ما وقع لشيوخ هذه الطائفة، بل لا أعلم مثله وقع في الدنيا.
ومن تصانيفه رائقة في الرسم فائقة نظراتها. وأما (قصيدته اللامية) في القراءات، واسطة عقد تصانيفه، وغرة وجه تآليفه، وهي القصيدة التي سارت في الأمصار، وطارت في الأقطار، وصار إلى قبولها علماء الأعصار. قال الجزري: من وقف على قصيدته، علم مقدار ما آتاه الله تعالى في ذلك، خصوصا اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها، فانه لا يعرف مقدارها، الا من نظم على منوالها أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقها. ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول، ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد أن أقول: ولا في غير هذا الفن، فانني لا أحسب ان بلدًا من بلاد الإسلام