فهرس الكتاب
روي أن دهريًا من الروم، ناظر مع علماء الإسلام، فأفحمهم إلا حمادًا، ولم يأت أحد بما فيه مقنع، والإمام إذ ذاك لا يزال صبيًا، فخاف حماد لأجل أنه لو ألزمه أيضًا، يهون أمر الإسلام. فرأى تلك الليلة في المنام، أن خنزيرًا أكل شعب شجرة وفروعها، ولم يبق إلا أصلها، فخرج من الشجرة شبل أسد فقتل الخنزير. ولما ذهب الأمام إلى حماد وقت الصبح، وجده مغتمًا في الغاية لأجل الدهري اللعين، ولأمر هذه الرؤيا، فسأله الإمام عن سبب هذا الاغتمام فبينه له، وقال: الحمد لله، الخنزير هو الدهري الخبيث، والشجرة العلم، وفروعها غيرك من العلماء، وأصلها أنت، والأسد أنا، وأنا أقهره بعون الله. فذهب الإمام مع أستاذه إلى الجامع، وصعد الدهري المنبر، وطلب الخصم، فحضر الإمام وهو صبي، فاستحقره الدهري، قال الإمام: دع هذا وهات كلامك، فتعجب الدهري من جرأته، ثم قال: كيف يمكن أن (يوجد) شيء لا أول له ولا آخر له، قال الإمام: هل تعرف العدد، قال: نعم، قال: ما قبل الواحد، قال: هو الأول ليس قبله شيء، فقال: إذًا لم يكن قبل الواحد المجازي اللفطي شيء، فكيف يكون قبل الواحد الحقيقي. قال الدهري: في أي جهة وجهه، وكل شيء لا يخلو عن الجهات، قال الإمام: إذا أوقدت السراج فإلى أي وجه نوره، قال: يستوي لنوره الجهات، قال: إذا كان حال النور المجازي المستعار هذا، فكيف نور السماوات والأرض الباقي الدائم. قال الدهري: في أي مكان هو، وكل موجود لا بد له مكان، فأتى الإمام باللبن، وقال: هل فيه سمن، قال: نعم، قال: في أي مكان منه، قال: لا يختص بمكان منه، قال: إذا كان حال الموجود الزائل كذا، فكيف حال الباقي الدائم خالق الأرض والسماء، قال الدهري: بماذا يشتغل (هو) ، قال: سألت هذه الأسئلة وأنت على المنبر، وأنا أجبت عنها، وألان أنزل على الأ رض وأنا أصعد المنبر، فنزل وصعد الإمام، وقال: إذا كان على المنبر مشبه مثلك أنزله، وإذا كان على الأرض موحد مثلي رفعه، كل يوم هو في شأن، فبهت الدهري وقتلوه. هذا حال الإمام في صغره، فكيف في كبره.
وعن الحسن بن زياد: نسي رجل مكان ماله الذي دفنه، وجاء إلى