فهرس الكتاب
وطلب منه أن يتولى القضاء، ويخرج القضاة إلى الكور من تحت يده، فأبى، فحلف المنصور بحبسه، وضرب كل يوم عشرة سياط، حتى ضرب مائة وعشرة سياط، فلما تتابع عليه الضرب، بكى وأكثر البكاء، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى انتقل إلى جوار الله تعالى، محبوسًا مبطونًا مجهودًا، فأخرجت جنازته، وكثر البكاء عليه، ودفن بمقابر الخيزران.
قيل: فلما أبى دسوا إليه السم فقتلوه. مات سنة خمسين ومائة، وكان ابن سبعين سنة، وقيل سنة إحدى وخمسين ومائة، في رجب أو شعبان أو نصف شوال، ولم يعقب إلا حمادًا، وصلى عليه الحسن بن عمارة وأخر من باب خراسان، ونودي في الناس، فلم يقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام، وحزر من صلى عليه مقدار خمسين الفًا، وجاء المنصور فصلى على قبره، ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يومًا.
والصحيح أن الإمام توفي في السجن، وإنما الخلاف في أنه مات بالضرب أو بالسم. والتوفيق بينهما، أنه سقي السم، ثم ضرب مصلوبًا حتى يتفرق السم. واختلف في كيفية السم، قال بعضهم: دسوا إليه السم ولم يعرفه، وقيل: اكره على شربه، فامتنع وقال: أعلم ما فيه ولا اعين نفسي، فطرح وصب في فمه. روي أنه لما أحس بالموت، سجد، فمات وهو ساجد. قيل: لما أحس الإمام بالسم قام، قال المنصور: إلى ابن، قال: إلى حيث وجهتني، فمضى به إلى السجن فمات فيه رحمة الله عليه.
واعلم أنه جرى للإمام، مثل ما جرى له مع المنصور، مع ابن هبيرة، مرة أخرى في أيام المروانية، واراد أن يوليه قضاء الكوفة، فأبى، وحبسه وضرب سياطًا على رأسه، حتى انتفخ رأسه ووجهه، فلم يقبل، فقال: ضربه في الدنيا أهون من مقامع الحديد في الآخرة، ثم قال: أشاور أصحابي، فأخرجه من السجن، فهرب إلى مكة، وأقام هناك إلى الدولة العباسية، فجاء زمن الخليفة المنصور، فأكرمه وأعطاه جائزة فلم يقبل. قيل: رأى ابن هبيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول: أما تخاف الله تعالى، تضرب رجلًا من أمتي بلا