فهرس الكتاب
الله)، فنزل وجلس مع أصحاب الحديث، ثم قرأ الكتاب، ولذلك سمي الكتاب (الموطأ) ، فإن هارون قد تواطأ له، فحمل إليه هارون بغلًا ودابة وحمارا وخمسمائة دينار، فقيل المال ورد البهائم، ثم قال: ما كنت لأركب في مدينة، نبي الله ملحود في ترابها، ولم ير مالك راكبًا بالمدينة قط.
روي عن الشافعي، أنه رأى على باب مالك: كراعًا من افراس خراسان وبغال مصر، ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، قلت، دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحي من الله تعالى، أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحافر دابة.
روي أن الرشيد سًال مالكًا: هل لك دار، فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشر بها داراَ، فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص إلى العراق، قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فأني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال: أما حمل الناس على الموطأ، فليس إلى ذلك سبيل، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (اختلاف أمتي رحمة) ، وأما الخروج معك، فلا سبيل إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيخرجون بعدي من المدينة لأجل الدنيا، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) ، وقال: (المدينة تنفي خبثها) ، وهذه دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها، وإن شئتم فدعوها - يعني أنك إنما تكلفتي مفارقة المدينة، لما اصطنعته إليَّ، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرحل الرشيد إلى مكة، فأرسل إلى سفيان بن عيينة أن أحمل إليَّ علمك، فحمل إليه، فلما قدم العراق، كان الرشيد يقول: رحم الله مالكًا، تواطأ لنا له فانتفعنا بعلمه، ورحم الله سفيان، تواطأ لنا فلم ننتفع بعلمه.
قيل: كان مالك كلما جلس مجلسا، لاينطق بشيء حتى يقول: (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم (ويروى أن سعيدًا كلما