الدين، وإن الوجود ما أخرج بعده له نظيرًا. ثم توفي والده وسن الإمام نحو العشرين، فأقعد مكانه في التدريس حتى طار ذكره في الأقطار، وشاع اسمه فملأ الديار، إلى أن ظهر التعصب بين الفريقين، واضطربت الأحوال فخرج مع المشايخ إلى المعسكر وخرج إلى بغداد ووجد فيه القبول العظيم ثم زمزم له الحادي بذكر زمزم، وناداه على بعد الديار البيت الحرام فلبى وأحرم، فتوجه حاجًا فجاور بمكة أربع ستين فدرس بها وأفتى ونشر العلم واجهد في العبادة ثم عاد إلى نيسابور بعد ولاية السلطان الب أرسلان، وتزين وجه الملك بطلعة نظام الملك، فاستقرت أمور الفريقين وانقطع التعصب، فبنيت له المدرسة النظامية بنيسابور، فأقعد للتدريس بها فدرس قريبًا من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، فسلم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة، فظهرت تصانيفه وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل من الأئمة والطلبة، وكان يستفيد من كل أحد وينكر الباطل ولا يحابى فيه أحدًا. وكان رقة قلبه بحيث يبكي إذا سمع بيتًا أو تفكر في نفسه ساعة، وإذا شرع في حكاية الأحوال وخاض في علوم الصوفية أبكى الحاضرين ببكائه وزعقاته ونعراته وإشاراته لاحتراقه في نفسه وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار. ثم أدركه قضاء الله فمرض ومات في ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فقام الصياح في البلد من كل جانب، ولم تفتح الأبواب في البلد، ووضعت المناديل عن الرؤوس عامًا بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤوس الكبار، وكسر منبره، وقعد الناس للعزاء عزاء عامًا وأكثر الشعراء المراثي فيه، وكانت الطلبة قريبًا من أربعمائة نفر يطوفون في البلد نائحين مكسرين المحابر والأقلام مبالغين في الصياح والجزع. وكان مولده ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتوفي وهو ابن تسع وخمسين سنة. سقى الله روضته بوابل رحمته، ويزيد في ألطافه وكرامته بفضله ومنته، انه ولي كل خير.