فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 1503

يأكل لحم الغنم إلا بعد العشرين من عمره لحدة ذهنه وأنه كان إذا شم رائحته حصل له شرًا. وإنما كان يخرج من البيت عند صلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قرب الظهر فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجًا فيأكله ويعود إلى الإشتغال إلى المغرب فيأكل شيئًا حلوًا لطيفًا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا إلى أن قدم القاهرة، وسمع عن علمائها حتى استقر أمره ووردت عليه الفتاوى من أقطار الأرض وانتهت إليه رياسة المذهب بمصر وألف غالب مؤلفاته، ثم ألزمه السلطان قضاء الشام بعد وفاة جلال الدين القزويني فقبلها بعد ممانعات يطول شرحها. وتولى مع القضاء خطابة الجامع الأموي ثم تولى تدريس المدارس مع ما ذكر من المناصب. والعجب أنه كان مع صحة ذهنه واتقاده عظيم الحافظة لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه ولا يحفظ شيئًا فينساه، وإن طال بعده عن تذكره، جمعت له الحافظة البالغة والفهم الغريب.

وليس من الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد

كان بالآخرة قد أعرض عن كثرة البحث والمناظرة، وأقيل على التلاوة والتأله والمراقبة. قال ولده تاج الدين السبكي في طبقاته: وكان ينهانا عن نوم النصف الثاني من الليل، وقال: يا بني تعودوا السهر ولو انك تلعب، والويل كل الويل لمن تراه نائمًا وقد انتصف الليل. كان دائم التلاوة والذكر وقيام الليل، جميع نومه بالنهار وأكثر ليله التلاوة، وكانت تلاوته أكثر من صلاته ويتهجد بالليل ويقرأ جهرًا في النوافل، ولا تراه في النهار جالسًا إلا وهو يتلو ولو كان راكبًا، ولا يتلو إلا جهرًا ولو كان في الحمام وفي المسلخ. وأما الصوم فكان يعسر عليه، وكان لا يصوم إلا رمضان وستا من شوال. وأما إذا أراد دفع نايبة عن نفسه كان يكشف رأسه وربما يصعد السطح بجعل المنديل في رقبته، ويقوم على رجليه مطرقًا ساكتًا ويصير عليه من المهابة ما يعجز الواصف لاعن وصفه، وربما يظن من رآه في تلك الحالة أنه لو لسعه زنبور لما أحس به. وأيضًا إذا كانت له حاجة يكتب قصته بخطه إلى الله ويعلقها على خشبة في السطح، وربما أنزلها بعد أيام، وكان ذلك علامة قضاء الشغل. وأما مصنفاته فالبحار الزواجر، وجملتها من الكتب والرسائل مائة ونيف وعشرون. (توفي) رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت