فهرس الكتاب

الصفحة 876 من 1503

وهي أما حسية، كأكثر معجزات بني اسرائيل، وذلك لبلادتهم وقلة بصيرتهم، أو عقلية، كأكثر معجزات هذه الأمة، وذلك لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة، خصت بالمعجزة العقلية الباقية، ليراها ذوو البصائر.

ثم اعلم أن الله تعالى بعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة. فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته. فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة، جنحوا إلى الحمية والجهل، حتى خاطر وأمهجهم بالسيوف، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحًا ومساء إلى أن يعارضوه، فتحداهم أولًا على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طوال السنين. ثم تحداهم بعشر سور منه، فلما عجزوا عنه، تحداهم بسورة، فلما عجزوا عن ذلك أيضًا نادى عليهم باظهار العجز وأعجاز القرآن، فتكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة، قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، فدل ذلك العاقل على عجز القوم، مع كثرة كلامهم، واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، مع أن العرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور. ثم تحدى به أقصاهم بعد أن عجز أدناهم. فمحال - أكرمك الله - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد علمهم، وقد احتاجوا اليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر.

ولما ثبت كون القران معجزة، وجب معرفة وجه الأعجاز. فزعم قوم أن التحدي وقع بالقرآن القديم، وهو مردود، لأن من لا يوقف عليه، لا يتصور التحدي به. وزعم النظام بالصرفة: أي صرف الله العرب عن معارضته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت