فهرس الكتاب

الصفحة 878 من 1503

الرسل. فالأول: اعلاها، والثاني: اوسطها، والثالث: أدناها. فحازت بلاغات القران من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة يعالجان نوعًا من الوعورة. فكان اجتماع كل من الأمرين في نظمه، مع بنو كل واحد منهما عن الآخر، فضيلة خص بها القران، ليكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وسلم. وانما تعذر على البشر الاتيان بمثله، لأن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وجميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا جميع وجوه النظوم، التي بها يكون ائتلافها. والقران في هذه الأمور في غاية الشرف والفضيلة، وكذا معانيه، متقدم في أبوابه، مترق إلى أعلى درجاته.

وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، لكن مجموعة في نوع واحد، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير. فخرج من هذا أن أعجاز القرآن لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في احسن نظوم التأليف، متضمنا اصح المعاني: من توحيد الله وتنزيهه في صفاته ودعاء إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وامر بمعروف ونهي عن منكر، وارشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها موضعه، مودعًا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعاند منهم، منبئًا عن الكوائن المستقبلة قي الأعصار الآتية، جامعآَ في ذلك ببين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول له، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه. ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها، أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، او مناقضته في شكله.

ثم صار المعاندون له يقولون مرة انه شعر لما رأوه منظومًا، ومرة انه سحر لما رأوه معجوزًا عنه، غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب، ونزعا في النفوس يربيهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت