[السُّؤَالُ] ـ [ما يخص الطهارة، وإني أعاني من هذه منذ 3 سنوات، في السنتين الأولتين كنت أعيد دائمًا الصلاة لأني أنقض الوضوء دائمًا وأشك كثيرًا أني أطلقت الريح ثم علمت أنه يصح لي أن أصلي ولو أطلقت الريح فارتحت ولكن في هذه السنة اتجهت شكوكي نحو ملابسي فأصبحت أبدل ملابسي كثيرًا، لكما أصبحت أرى أن أرضية المنزل كلها غير طاهرة للصلاة فاخترت مكانا في حجرتي أصلي فيه ولا يجب علي أن أمر فيه وإلا استوجب علي مسحه لإزالة النجاسة التي علقت في نعليه عند الدخول إلى بيت الراحة لأنه هناك بول تحت المرحاض، ومشكلة أخرى هي الاحتلام فقد قرأت أن الاحتلام يوجب الغسل وأنا احتلم كثيرًا أغتسل مثلا اليوم أعيد الاغتسال من بعد غد أو كل 3 أيام ما أتعبني كثيرًا، وأصبحت أخاف النوم والقيلولة وأصبحت كلما أذهب إلى النوم أحس أن هناك سائلا ينزل فأنهض لأتأكد فلا أجد شيئًا ثم أرجع لأنام وأحس مرة أخرى، ولكن أستسلم وأنام، وعلما بأن هذا السائل ينزل دائمًا، وكل هذا متعب لي وقد تعبت عائلتي معي وخاصة أمي وأنا يتيمة الأب، والآن أنا خائفة لأني سأذهب لأول مرة أدرس في الجامعة، وسأسكن مع غرباء فلا يمكنني أن أبقى أتصرف هكذا أمامهم فماذا سيقولون عني إن اغتسلت عدة مرات، ماذا سأفعل هل أتوقف عن الصلاة حتى أنضج أكثر، علمًا وأني تعبت ولم أعد أستطيع أن أواصل الصلاة في هذه الظروف، وهل سأواصل في الاغتسال، ومع كل هذا فإني أفكر في فكرة سيئة على الله والإسلام وهي تعذبني وأنا أحاول أن أقشعها من ذهني وإني أقرئ القرآن؟ وأشكركم على الاهتمام.] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله تعالى لك الشفاء من هذا البلاء ثم نقول اعلمي أن الشك في الطهارة بعد تحققها لا أثر له على الراجح من أقوال أهل العلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. متفق عليه، واللفظ للبخاري.
أما إذا كان خروج الريح متيقنا فإن خروج الريح ناقض من نواقض الوضوء، وإذا حصل ذلك للمصلي أثناء صلاته بطلت الصلاة، لانتقاض الطهارة التي هي شرط من شروط صحة الصلاة، وهذا حيث كان خروج الريح طبيعيا، أما إذا كان الخروج مستمرًا بحيث لا يعلم الشخص أنه سينقطع فترة معينة يتمكن فيها من الطهارة وأداء الصلاة في وقتها فحكمه حكم سلس البول، فيتوضأ صاحبه للصلاة بعد دخول وقتها، ويصلي الفريضة وما شاء بعدها من نوافل، ولا يضره خروج الريح، وإن خرجت أثناء الصلاة ما لم يكن قد تعمد إخراجها.
وإذا كان يأتي عليه وقت يتوقف فيه عنه خروج الريح توقفا يتمكن معه من الإتيان بالطهارة والصلاة، فيجب عليه أن يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت، وهذا ما لم يخف خروج وقت الصلاة، فإن خاف خروجه، توضأ وبادر إلى الصلاة.
أما بخصوص شكوكك في نجاسة أرضية المنزل فأعلمي أن الأصل في هذه الأماكن الطهارة وليست النجاسة لما روي في الصحيحين واللفظ للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وكذا الحال بالنسبة لملابسك فالأصل فيها الطهارة وهذه قاعدة عامة، وعلى هذا فعليك أن تتركي جانبا الوسواس والشكوك في هذا الأمر، إلا إذا تيقنت من وجود عين النجاسة على الأرض أو الملابس ففي هذه الحالة عليك أن تعملي بذلك.
وأما عن الاحتلام فاعلمي أن الاحتلام هو أن يرى النائم أنه يجامع سواء أكان مع ذلك إنزال أم لا، هذا من حيث المعنى، أما من حيث الحكم فاعلمي أن للمحتلم أحوالًا كالتالي:
أولًا: أن يحتلم ولا يجد منيًا. وهذا لا غسل عليه.
ثانيًا: أن يحتلم ويذكر ذلك ويجد منيًا، فهذا عليه الاغتسال.
ثالثًا: أن يستيقظ من نومه فيجد بللًا ولا يذكر احتلامًا، وهذا عليه أيضًا الاغتسال، وللمني علاماته المعروفة، ولمعرفتها راجعي الفتوى رقم: 6542.
رابعًا: أن يحتلم فينتبه وهو يوشك أن ينزل. وهذا لا شيء عليه إلا إذا أنزل بعد ذلك فيلزمه الاغتسال.
واعلمي أن الشاب أو الشابة إذا بلغ سن الزواج أو قارب ذلك قد يبتلى بكثرة الاحتلام كنتيجة طبيعية لثوران الشهوة وشدة رغبته في الوقاع، ومن كانت هذه حاله فإنه ينصح بأن يعجل بالزواج، وإلا فليكثر من الصيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. متفق عليه واللفظ لمسلم. ولمزيد من الفائدة راجعي الفتوى رقم: 15126.
واعلمي أنه ليس كل ما يخرج من الفرج يكون منيًا بل قد يكون مذيًا، والمذي نجس لكنه لا يوجب الغسل بل يكفي فيه الوضوء، ولمعرفة الفرق بين المني والمذي راجعي الفتوى رقم: 4036، ولعلاج الوسوسة راجعي الفتوى رقم: 2860.
أما بشأن الوساوس والأفكار التي تأتيك عن الله والإسلام وهي أفكار سيئة، فمن ابتلي بشيء من هذه الوساوس فالواجب عليه أن يعرض عنه، ولا يسترسل في تدبره وما غلبه من ذلك مع كراهته له وإعراضه عنه ما استطاع ـ فهو معفو عنه لأن الله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ {التغابن:16} ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أوقد وجدتموه؟ قالوا نعم، قال: ذاك صريح الإيمان.
وقد نص العلماء على أن مراده بـ"ذاك صريح الإيمان"هو أن كراهة ذلك وبغضه صريح الإيمان، وليس المراد وجوده، فالواجب عليك أن تعرضي عن ذلك ما استطعت، وما غلبك من ذلك فأنت غير محاسبة عليه، غير أن هذه الأفكار إنما تأتي من قل علمه وفهمه في أمور دينه وضعف إيمانه واستمع لشبه المرجفين والملحدين، ولم يكن عنده العلم ولم يكن على اتصال وقرب من أهل العلم الذين يكشفون ويبينون له الحق من الباطل، ويزيحون عنه ظلمات الشبهات وينيرون له الطريق والسبيل في سيره إلى الله فننصح الأخت بالتفقه في دين الله وتعلم العلم الشرعي من أهل العلم المختصين فقراءة الكتب الإسلامية وسؤال أهل الذكر عن ما أشكل عليها فهمه، ونسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق إنه سميع مجيب.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 01 شعبان 1425