بشرتهم لما فيه من عظيم العفو إذ لم يسمعوا به قبل ذلك ( قال: إذًا يتكلوا ) إذن حرف جواب وجزاء ، وقد يستعمل لمحض الجواب كما هنا أي لا تخبرهم بذلك لأنك إن أخبرتهم وبهذه البشارة بشرتهم يعتمدوا على ألطاف الربوبية ويتركوا حق العبودية ، فينجروا إلى نقصان درجاتهم وتنزل حالاتهم ، وهذا حكم الأغلب من العوام وإلا فالخواص كلما بشروا زادوا في العبادة كما وقع للعشرة المبشرة وغيرهم ، ولذا قال في جواب من قال له: أتقوم في الليل حتى تتورّم قدماك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ أفلا أكون عبدًا شكورًا ؟ ( فأخبر بها ) أي بهذه الجملة أو القصة أو البشارة ( معاذ عند موته ) لبعض أصحابه ، والظاهر أن ضمير موته إلى معاذ . وقال الكرماني: يحتمل أن يعود إلى النبي ( تأثمًا ) مفعول له أي تجنبًا وتحرزًا عن إثم كتم العلم ، إذ في الحديث ( من كتم علمًا ألجم بلجام من نار ) ( متفق عليه ) .
( 26 ) ( وعن أبي ذر ) هو جندب بن جنادة الغفاري ، وهو من أعلام الصحابة وزهادهم ، أسلم قديمًا بمكة ، يقال: كان خامسًا في الإسلام ، ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي بعد الخندق ، ثم سكن ربذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ، وكان يتعبد قبل أن يبعث النبي . روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين ( قال: أتيت النبي وعليه ثوب أبيض ) حال من النبي ؛ قال الشراح هذا ليس من الزوائد التي لا طائل تحتها ، بل قصد الراوي بذلك أن يقرر التثبت والإتقان فيما يرويه ليتمكن في قلوب السامعين ، قلت: أو أراد التذكر بإحضار طلعته الشريفة واستحضار خلعته اللطيفة فيكون كأنه حاضر لديه وواقف بين يديه ( وهو نائم ) عطف على الحال ، وهو بضم الهاء ويسكن أي فرجعت ( ثم أتيته ) بعد زمان ( وقد استيقظ ) حال من الضمير المنصوب ، والمعنى فوجدته منتبهًا من النوم ( فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله ) وإنما لم يذكر محمد رسول الله لأنه معلوم أنه بدونه لا ينفع ( ثم مات على ذلك ) أي الاعتقاد ، وثم للتراخي في الرتبة لأن العبرة بالخواتيم ( إلا دخل الجنة ) استثناء مفرغ أي لا يكون له حال من الأحوال إلا حال استحقاق دخول الجنة ، ففيه بشارة إلى أن عاقبته دخول الجنة وإن كان له ذنوب جمة ، لكن أمره إلى الله إن شاء عفا