وإياهم متساوية الإقدام في إنزال الكتاب ، والتقدم الزماني لا يوجب فضلًا ولا شرفًا فهذا رد ومنع لفضل الأمم السالفة ، على هذه الأمة قال ابن حجر: ثم إنه من باب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم أي نحن السابقون بما منحنا من الكمالات غير أنهم أوتوا الكتاب ، من قبلنا وأوتيناه من بعدهم وتأخر كتابنا من صفات المدح والكمال لأنه ناسخٌ لكتابهم ، ومعلم لفضائحهم ، فهو السابق فضلًا وإن سبق وجودًا قال المولوي الرومي: ومن بديع صنع الله أن جعلهم عبرة لنا وفضائحهم نصائحنا وتعذيبهم تأديبنا ولم يجعل الأمر منعكسًا والحال ملتبسًا وأيضًا فنحن بالتأخير تخلصنا عن الانتظار [ الكثير ] ففضله تعالى علينا كبير وهو على كل شيء قدير ، ونعم المولى ونعم النصير . ( ثم ) أتى بها إشعارًا بأن ما قبلها ، كالتوطئة والتأسيس لما بعدها ( هذا ) أي هذا اليوم وهو يوم الجمعة ( يومهم ) الإضافة لأدنى ملابسة فإنه ( الذي فرض عليهم ) أوّلًا استخراجه بأفكارهم وتعيينه باجتهادهم . ( يعني الجمعة ) أي مجملًا تفسير للراغوي لهذا يومهم وفي نسخة صحيحةٍ يعني يوم الجمع أي يريد النبي بهذا اليوم يوم الجمعة . ( فاختلفوا ) أي أهل الكتاب ( فيه ) أي في تعيينه للطاعة وقبوله للعبادة وضلوا عنه ، وأما نحن بحمده . ( فهدانا الله له ) أي لهذا اليوم وقبوله والقيام بحقوقه وفيه إشارةٌ إلى سبقنا المعنوي كما أن في قوله السابق بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا اشارة إلى سبقهم الحسي ، وإيماءً إلى قوله تعالى: 16 ( { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } ) [ البقرة 213 ] . وهذا كله ببركة وجوده قال بعض المحققين من أئمتنا: أي فرض الله على عباده ، أن يجتمعوا يومًا ويعظموا فيه خالقهم بالطاعة لكن لم يبين لهم بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم ، ويعينوه باجتهادهم وأوجب على كل قبيل أن يتبع ما أدى إليه اجتهاده ، صوابًا كان أو خطأً كما في المسائل الخلافية فقالت اليهود: يوم السبت لأنه يوم فراغ ، وقطع عمل لأن الله تعالى فرغ عن خلق السموات والأرض ، فينبغي أن ينقطع الناس عن أعمالهم ، ويتفرغوا لعبادة مولاهم وزعمت النصارى أن المراد يوم الأحد لأنه يوم بدء الخلق الموجب للشكر والعبادة فهدى الله المسلمين ووفقهم للإصابة ، حتى عينوا الجمعة وقالوا الله تعالى خلق الإنسان للعبادة كما قال تعالى: 16 ( { وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون } ) [ الذاريات 56 ] . وكان خلق الإِنسان يوم الجمعة ، فكانت العبادة فيه [ لفضله ] أولى لأنه تعالى في سائر الأيام ، أوجد ما يعود نفعه إلى الإِنسان وفي الجمع أوجد نفس الإِنسان والشكر على نعمة الوجود أهم وأحرى وقال بعضهم يحتمل أنه تعالى نص عليه وأنه وفقنا للإصابة لما صح عن ابن سيرين قال جمع أهل المدينة: قبل أن يقدمها رسول الله وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار أن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وللنصارى مثل ذلك فلنجعل يومًا نذكر الله تعالى ونصلي ونشكر فيه ، فجعلوه يوم العروبة ، واجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين ، وذكرهم فسموه يوم الجمعة