لأن الوسوسة لازم ، نعم وجه النصب الظرفية إن ساعدته الرواية ورُوي: ( ما حدثت به أنفسها ) بالرفع والنصب بدله ( ما لم تعمل به ) أي ما دام لم يتعلق [ به ] العمل إن كان فعليًا ( أو تتكلم ) ) به أي ما لم تتكلم به إن كان قوليًا ، كذا في الأزهار قال صاحب الروضة في شرح صحيح البخاري: المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهوران أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها ، فقوله: ( إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ) محمول على ما إذا لم تستقر ذلك معفو بلا شك لأنه لا يمكن الإنفكاك عنه بخلاف الإستقرار . ثم نقل صاحب الأزهار عن الأحياء ما حاصله أن لأعمال القلب أربع مراتب: الأول الخاطر كما لو خطر له صورة امرأة مثلًا خلف ظهره في الطريق لو التفت إليها يراها ، والثاني: هيجان الرغبة إلى الإلتفات إليها ونسميه ميل الطبع والأول حديث النفس ، والثالث: حكم القلب بأن يفعل أي ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف وهي الحياء والخوف من الله تعالى أو من عباده ونسميه اعتقادًا ، والرابع: تصميم العزم على الإلتفات وجزم النية فيه ونسميه عزمًا بالقلب . أما الخاطر فلا يؤاخذ به وكذا الميل وهيجان الرغبة لأنهما لا يدخلان تحت الإختيار وهما المرادان بقوله عليه الصلاة والسلام: ( إن الله تجاوز عن أمتي ) الحديث ، وأما الثالث وهو الإعتقاد فهو مردد بين أن يكون اختيارًا لا ينكره واضطرارًا ينكره ؛ فالإختياري يؤاخذ والإضطراري لا يؤاخذ ، وأما الرابع وهو العزم والهم بالفعل فإنه يؤاخذ به وعليه تنزل الآيات التي دلت على مؤاخذة أعمال القلوب ، إلا أنه إن ترك خوفًا من الله تعالى كتبت له حسنة لأن همه سيئة وامتناعه عنها مجاهدة مع نفسه فتكون حسنة تزيد عليها ، وإن تركها لعائق أوقاتها ذلك لعدم الحصول كتبت عليه سيئة للعزم والهمة الجازمة ، والدليل القاطع على ذلك قول رسول الله في الحديث الصحيح المتفق على صحته: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، قيل: يا رسول الله فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ) وهذا صريح في أنه صار إلى النار ووقع فيها بمجرد العزم والنية وإن مات ولم يعمل وقتل مظلومًا ، وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب الجازمة ؟ والكبر والعجب والنفاق والحسد وغيرها من الأوصاف الذميمة يؤاخذ بها ، وقال رسول الله: ( الإثم ما حاك في الصدر ) وقال: ( البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في صدرك وإن أفتاك الناس ) ا ه . أقول الإستدلال بالحديث الأخير فيه نظر لأنه جعل الإثم عين ما تردد في الصدر ، وتقدم إن ما لم يستقر لا يكون إثمًا ، فمعنى الحديث إن ما تردد في الصدر أنه إثم أو غير إثم ففعله ، أثِم احتياطًا ، كما إذا تعارض دليل التحريم والتحليل في شيء