فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 6013

فيحرم ، قيل: الحديث يدل على أن التجاوز المذكور خاصية هذه الأمة ، وعلى التوجيه الذي نقله صاحب الأزهار من الروضة والأحياء يلزم أنه يكون عامًا لجميع الأمم لأن ما لا يدخل تحت الإختيار لا يؤاخذ به شخص من الأشخاص لقوله تعالى: 16 ( { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } ) [ البقرة 286 ] فالصواب ما قاله الطيبي: من أن الوسوسة ضرورية واختيارية ؛ فالضرورية ما يجري في الصدور من الخواطر ابتداء ولا يقدر الإنسان على دفعه فهو معفو عن جميع الأمم ، والإختيارية هي التي تجري في القلب وتستمر وهو يقصد ويعمل به ويتلذذ منه كما يجري في قلبه حب امرأة ويدوم عليه ويقصد الوصول إليها وما أشبه ذلك من المعاصي ، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة خاصة تعظيمًا وتكريمًا لنبينا عليه الصلاة والسلام وأمته إليه وينظر قوله تعالى: 16 ( { ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا } ) [ البقرة 286 ] وأما العقائد الفاسدة ومساوىء الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور ا ه . وهو كلام حسن ولهذا قيده النبي بقوله: ( ما لم تعمل أو تتكلم ) إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها ، وأما الوسوسة التي لا تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهي ذنوب بالإستقرار . وذكر الإمام النووي أن مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب إن من عزم على المعصية ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ، ويحمل ما وقع في أمثال قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوا عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة ) الحديث فيمن لم يوطن نفسه على المعصية وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ويسمى هذا همًا ، ويفرق بين الهم والعزم وهذا مذهب القاضي أبي بكر وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين وأخذوا بظاهر الحديث . وقال القاضي عياض: عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب لكنهم قالوا إن هذا العزم يكتب سيئة وليست السيئة التي هم بها لكونها لم يعملها وقطع عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإنابة ، لكن الإصرار والعزم معصية فصار تركه لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة حسنة ؛ فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا يوطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم ، وذكر بعض المتكلمين خلافًا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف الناس هل تكتب حسنة ؟ قال: لا ، لأنه إنما حمله على تركها الحياء . وهذا الخلاف ضعيف لا وجه له هذا آخر كلام القاضي وهو ظاهر حسن لا مزيد عليه . وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر من ذلك قوله تعالى: 16 ( { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم } ) [ النور 19 ] وقوله: 16 ( { اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم } ) [ الحجرات 12 ] والآيات في هذا كثيرة ، وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها ، وقد تقدم الفرق بين ماله تعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت