قال: وكل به وإياي ( ولكن الله ) بالتشديد ويخفف ( أعانني عليه ) أي بالعصمة ، أو بالخصوصية ( فأسلم ) بضم الميم أو فتحها في جامع الترمذي ، قال ابن عيينة: فأسلم بالضم ، أي أسلم أنا منه والشيطان لا يسلم ، وفي جامع الدارمي قال أبو محمد: أسلم بالفتح أي استسلم وذل وانقاد ، والخطابي ذهب إلى الأوّل والقاضي عياض إلى الثاني ، وهما روايتان مشهورتان ، قال التوربشتي: الله تعالى قادر على كل شيء فلا يستبعد من فضله أن يخص نبيه بهذه الكرامة ، أعني إسلام قرينه وبما فوقها ، قيل: ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( فلا يأمرني إلا بخير ) قلت: الأظهر أنه مؤيد للأوّل فتأمل ، وقيل: أسلم أفعل تفضيل خبر مبتدأ محذوف ، أي فأنا أسلم منكم لأن النبي كان يجري بعض الزلات في بعض الساعات بوسوسة ، فيكون المراد بقوله: ( فلا يأمرني إلا بخير ) في أعم الأوقات كذا قيل ، وفيه نظر إذ يحتمل كون الوسوسة من النفس دون الشيطان ، وعن بعض المشايخ أن القرين من الجن ربما يدعوه إلى الخير وقصده في ذلك الشر بأن يدعوه إلى المفضول فيمنعه عن الفاضل ، أو أن يدعوه إلى الخير ليجره إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشر من عجب أو غيره ، ولذا قيل: معصية أو ورثت ذلًا واستحقارًا خير من طاعة أورثت عجبًا واستكبارًا ، قال ابن حجر: الظاهر أن استبعاد سفيان لإسلامه إنما هو لكونه عفريتًا لا لكونه من ذرية إبليس لما في حديث حسن أن هامة بن إبليس جاء للنبي وذكر أنه حضر قتل هابيل وأنه اجتمع بنوح فمن بعده ، ثم طلب من النبي بعد أن نقل السلام من عيسى فرد عليه الصلاة والسلام ، وطلب أن يعلمه شيئًا من القرآن فعلمه الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كوّرت والمعوّذتين وقل هو الله أحد ( رواه مسلم ) .
( 68 ) ( وعن أنس ) رضي الله عنه ( قال: قال رسول الله: إن الشيطان ) أي كيده ووسواسه ( يجري ) أي يسري ( من الإنسان ) أي فيه ، وقيل عدي يجري بمن على تضمين معنى التمكن ، أي يتمكن من الإنسان في جريانه ( مجرى الدم ) أي في جميع عروقه ، والمجرى إما مصدر ميمي أي يجري مثل جريان الدم فإنه لا يحس بجريه كالدم في الأعضاء ، شبه سريان كيده وجريان وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه وجميع اعضائه فهو كناية عن تمكنه من إغواء الإنسان وإضلاله تمكنًا تامًا وتصرفه فيه تصرفًا كاملًا بواسطة نفسه الأمارة بالسوء