والتقدير: أنه شقي أو سعيد فعدل لأن الكلام مسوق إليهما ، والتفصيل وهو قوله: ( فوالذي ) الخ وارد عليهما .[ والسعادة معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخيرات ، وتضادها الشقاوة وهي إما قلبية ، أو بدنية ، أو ما حول البدن ؛ فالقلبية هي المعارف ، والحكم والكمالات العلمية والعملية القلبية والخلقية والبدنية الصحة والقوّة واللذات الجسمانية ، وما حول البدن من الأموال والأسباب . وقدم الشقاوة ليعلم أن الشر كالخير من عند الله ، وتقديره ردًا على الثنوية المثبتين شريكًا فاعلًا للشر لأنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله فقالوا: مدبر العالم لو كان واحدًا لم يخص هذا بأنواع الخيرات والصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور ، فرد عليهم الرب بقوله: 16 ( { لا يسئل عما يفعل } ) وما أحسن قول الشاعر:
كم من أديب فهم قلبه %
مستكمل العقل مقل عديم ) % %(
وكم جهول مكثر ماله %
ذلك تقدير العزيز العليم )%
وتحقيق هذا المقام أن يقال: إن لله صفتي لطف وقهر ، والحكمة تقتضي أن يكون الملك سيما ملك الملوك كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ، ولا يتحقق كل منهما إلا بوجود الآخر كما لا تتبين اللذة إلا بالألم وبضدها تتبين الأشياء ولا بد لكل منهما من مظهر فالسعداء وأعمالهم مظاهر اللطف وفائدة بعثة الأنبياء والكتب ترجع إليهم: 16 ( { إنما أنت منذر من يخشاها } ) [ النازعات 45 ] كما أن فائدة نور الشمس لأهل البصر ، والأشقياء وأفعالهم مظاهر القهر ، وفائدة البعثة لهم إلزام الحجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وهي في الحقيقة نعي عليهم بالشقاوة ] ( ثم ينفخ ) على البناء للمجهول ، وقيل: أنه معلوم ( فيه الروح ) بالوجهين أي ثم بعد هذا البعث لا قبله وعكس ذلك الواقع في رواية البيهقي المراد به ترتيب الأخبار فقط ، على أن رواية الشيخين مقدمة على غيرها كذا ذكره ابن حجر ، لكن وقع في الأربعين النووية بلفظ: ( فينفخ فيه الروح ويؤمر ) الخ ونسب إلى الشيخين فتأمل فلعلهما روايتان والله أعلم . ( فوالذي لا إله غيره ) القسم لإفادة التحقيق وتأكيد التصديق أي إذا كان الشقاوة والسعادة مكتوبة فوالله الذي لا إله غيره وليعلم في أمر القضاء إن الكسب لا مدخل له في الحقيقة ( إن أحدكم ) ولفظ المصابيح: ( فإن الرجل ) أي الشخص ( ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ) في الموضعين بالرفع لا لأن ما النافية كافة عن العمل بل لأن المعنى على حكاية حال الرجل لا الإخبار عن المستقبل كذا قاله السيد جمال الدين . وقال المظهر: حتى هي الناصبة وما نافية ولفظة ( يكون ) منصوبة بحتي وما غير مانعة لها من العمل . وقال ابن الملك: الأوجه أنها عاطفة ويكون بالرفع عطف على ما قبله . ( بينه وبينها ) أي بين الرجل وبين الجنة ( إلا ذراع ) تمثيل لغاية قربها ( فيسبق عليه الكتاب ) ضمن معنى يغلب ، ولذا عدي بعلي وإلا فهو متعد