قد ورد في صحيح مسلم برواية حذيفة بن أسيد خلاف بن مسعود كما في المشارق: أنه إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكًا فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها ، ثم يقول: يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ، ثم يكتب أجله ورزقه . فعلم منه أن التصوير بعد الأربعين الأولى وهو مناف لهذه الرواية ، فجوابه أن لتصرف الملك أوقاتًا أحدها حين يكون نطفة ثم ينقلب علقة وهو أوّل علم الملك بأنه ولد وذلك عقيب الأربعين الأولى وحينئذ يبعث إليه ربه يكتب رزقه وأجله وعمله وخلقته وصورته ، ثم يتصرف فيه بتصويره وخلق أعضائه وذلك في الأربعين الثالثة ، ثم ينفخ فيه الروح ؛ فالمراد بتصويرها بعده أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر لأن التصوير الأوّل بعد الأربعين الأولى غير موجود عادة كذا في شرح مسلم ، ولا يخفي ما فيه . وقد استفاض بين النساء أن النطفة إذا قدرت ذكرًا تتصوّر بعد الأربعين الأولى بحيث يشاهد منه كل شيء حتى السوأة فتحمل رواية ابن مسعود على البنات أو الغالب ( بأربع كلمات ) أي بكتابتها ، وكل قضية تسمى كلمة قولًا كان أو فعلًا ( فيكتب عمله ) من الخير والشر ( وأجله ) مدة حياته ، أو انتهاء عمره ( ورزقه ) يعني أنه قليل أو كثير وغيرهما مما ينتفع به حلالًا كان أو حرامًا مأكولًا أو غيره فيعين له وينقش فيه بعد أن كانت مكتوبة في اللوح المحفوظ ما يليق به من الأعمال والأعمار والأرزاق حسب ما اقتضته حكمته وسبقت كلمته ؛ فمن وجده مستعدًا لقبول الحق وأتباعه ورآه أهلًا للخير وأسباب الصلاح متوجهًا إليه أثبته في عداد السعداء ، ومن وجده متجافيًا قاسي القلب متأبيًا عن الحق أثبته في ديوان الأشقياء وكتب ما يتوقع منه من الشرور والمعاصي ، هذا إذا لم يعلم من حاله ما يقتضي تغير ذلك وإن علم من ذلك شيئًا كتب له أوائل أمره وأواخره وحكم عليه حسب ما يتم به عمله فإن ملاك العمل خواتيمه وهو الذي يسبق إليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة والنار ، وقيل: المراد بكتبه هذه الأشياء إظهاره للملك وإلا فقضاؤه سابق على ذلك ، قال مجاهد: يكتب هذه الكلمات في ورقة وتعلق في عنقه بحيث لا يراها الناس ، قال تعالى: 16 ( { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } ) [ الإسراء 13 ] قال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله وهو صائر إليه من سعادة أو شقاوة ، وخص العنق لأنه موضع القلادة والأطواق . قلت: وهو كناية عن الذمة فكأن هذه الأشياء في ذمته أن يفعلها ولا يقدر أن ينفك عنها ، وقيل: يؤمر بكتابة الأحكام المقدرة له على جبهته أو بطن كفه .
وأعلم أن الكتابة التي في أم الكتاب تعم الأشياء كلها وهذا ما يخص به كل إنسان ، إذ لكل كتابة سابقة وهي ما في اللوح ، ولاحقة تكتب ليلة القدر ، ومتوسطة أشير إليها في الحديث ، وفي أصل الأربعين: ( يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) ، وهو بدل كل من قوله: ( أربع ) إذ المضاف مقدر فيه ، ويُروي يكتب على الإستئناف . ( وشقي ) خبره مبتدأ محذوف ، أي يكتب هو شقي ( أو سعيد ) قيل: كان من حق الظاهر أن يقال: ويكتب سعادته وشقاوته فعدل إما حكاية لصورة ما يكتبه الملك لأنه يكتب أشقي أو سعيد ؟