مبتدأ محذوف ، أي أهو شيء ( قُضي عليهم ) بصيغة المجهول ، أي قدر فعله عليهم ( ومضى فيهم ) بصيغة الفاعل أي نفذ في حقهم ( من قدر سبق ) أي في الأزل ، ومن إما بيانية لشيء ويكون القضاء والقدر شيئًا واحدًا كما قاله بعضهم ، أو على الإطلاق اللغوي ، وإما تعليلية متعلقة بقضي أي قضي عليهم لأجل قدر سبق ، وإما ابتدائية أي القضاء نشأ وابتدأ من خلق مقدر فيكون القدر سابقًا على القضاء . قال في النهاية: المراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق لقوله تعالى: 16 ( { فقضاهن سبع سموات } ) [ فصلت 12 ] فالقضاء والقدر متلازمان لأن أحدهما وهو القدر بمنزلة الأساس والآخر وهو القضاء بمنزلة البناء ، وقال الراغب: القضاء من الله تعالى أخص من القدر [ لأنه الفصل من التقدير ] والقدر هو التقدير ، والقضاء هو الفصل والقطع . وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل ، ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفر من القضاء ؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله . تنبيهًا على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله فأما إذا قضي فلا يندفع ويشهد لذلك قوله تعالى: 16 ( { وكان أمرًا مقضيًا } ) [ مريم 21 ] وقوله: 16 ( { حتمًا مقضيًا } ) [ مريم 71 ] تنبيهًا على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه ، وهذا مخالف لما نقلناه عن القاضي في حديث جبريل عليه السلام . قال بعض العارفين: القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعًا لرسم الأستاذ هو الكسب والإختيار ، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ( أو فيما يستقبلون به ) قال السيد جمال الدين: كذا وقع بصيغة المجهول في أصل سماعنا من صحيح مسلم ، وهو الأرجح معنى أيضًا لكن وقع في أكثر نسخ المشكاة بصيغة المعروف ، وقال الطيبي: كذا يعني ( أو ) في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول ، ووقع في نسخ المصابيح: ( أم فيما يستقبلون ) ، قيل: على كلتا الروايتين ليس السؤال عن تعيين أحد الأمرين لأن جوابه عليه الصلاة والسلام وهو قوله لا غير مطابق له فنقول: أم منقطعة ، وأو بمعنى بل ، فإن السائل لما رأى أن الرسل يأمرون أممهم وينهون اعتقد أن الأمر أنف كما زعمت المعتزلة ، فاضرب عن السؤال الأوّل والهمزة للتقرير والإثبات فلذلك نفى رسول الله ما أثبته وقرره وأكده ( ببل ) ولو كان السؤال عن التعيين لقال السائل: أشيء قضي عليهم أم شيء يستقبلونه ؟ وقيل: كان حق العبارة أشيء قضي علينا أم شيء نستقبله بالتكلم ؟ فغير العبارة وعدل عن التكلم إلى الغيبة ، وعمم الأمم كلها وأنبياءهم فدل ذلك على صحة ما قيل من الإضراب ، وقيل: وهو الأظهر أن المعنى أم شيء لم يقض عليهم في الأزل بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فبه