يعاشر الناس ويزاول الأمر فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم ، فأما أن يكون في أمر الدين فلا يخلو من أن يضل أو يضل ، وأما أن يكون في أمر الدنيا فأما بسبب جريان المعاملة معهم بأن يظلم أو يظلم ، وأما بسبب الاختلاط والمصاحبة فأما أن يجهل أو يجهل ، فاستعيذ من هذه الأحوال كلها بلفظ سلسل موجز وروعي المطابقة المعنوية والمشاكلة اللفظية ، كقول الشاعر: %(
ألا لا يجهلن أحد علينا %
فنجهل فوق جهل الجاهلينا )%
ويعضد هذا التأويل الحديث الآتي . فقوله: هديت مطابق لقوله ( أن أضل ) . وقوله: ( كفيت ) ، قوله: ( أظلم أو أظلم ) وقوله: ( وقيت ) ، لقوله: ( أن يجهل أو يجهل علينا ) .
( 2443 ) ( وعن أنس قال: قال رسول الله: إذا خرج رجل ) وفي نسخة الرجل والمراد به الجنس ( من بيته فقال باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوّة إلا بالله يقال له حينئذ ) أي يناديه ملك يا عبد الله ( هديت ) أي طريق الحق ( وكفيت ) أي همك ( ووقيت ) أي حفظت من الأعداء ، قال ابن حجر: وفي رواية حميت قبل الثلاثة والله أعلم . وأشار الطيبي ، إلى أن في الكلام لفًا ونشرًا مرتبًا حيث قال: هدى بواسطة التبرك باسم الله ، وكفى مهماته بواسطة التوكل ، ووقى بواسطة قول لا حول ولا قوة وهو معنى حسن وقد روى الترمذي من حديث أبي هريرة بمعناه ، أي إذا استعان العبد بالله وباسمه المبارك هداه الله ، وأرشده وأعانه في الأمور الدينية والدنيوية ، وإذا توكل على الله كفاه الله تعالى فيكون حسبه ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، ومن قال لا حول ولا قوّة إلا بالله وقاه الله من شر الشيطان فلا يسلط عليه ( فيتنحى له الشيطان ) أي يبتعد عنه إبليس أو شيطانه الموكل عليه فيتنحى له الطريق ( ويقول ) أي للمتنحي ( شيطان آخر ) تسلية للأوّل أو تعجبًا من تعرضه ( كيف ) وفي نسخة وكيف ( لك برجل ) أي بإضلال رجل ( قد هدى وكفى ووقى ) أي من الشياطين أجمعين ببركة هذه الكلمات ، فإنك لا تقدر عليه ، قال الطيبي رحمه الله: هذه تسلية أي كيف يتيسر لك الأغواء ملتبسًا برجل الخ . أي أنت معذور في ترك أغوائه والتنحي عنه فقوله لك متعلق بتيسر وبرجل حال ا ه . فإن قلت بم علم الشيطان أنه هدى وكفى ووقى . قلت: لعله من هبوط الأنوار النازلة عليه ، أو من رفع الحجب الكائنة لديه ، وأما قول ابن حجر: علم من الأمر العام أن كل من دعا بهذا الدعاء المرغب من حضرته استجيب له فغير ظاهر ( رواه أبو داود ) أي بتمامه ( وروى الترمذي إلى قوله له الشيطان ) ورواه النسائي وابن حبان وابن السني .