ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن أنس ولعل ما ذكره المصنف ورد في رواية أو نسخة ولا شك أن الجمع بينهما ويجوز الاكتفاء بأحدهما لحصول المقصود بكل منهما .
( عن ابن عباس قال كان النبي يدعو يقول ) بدل أو حال ( رب أعني ) أي وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك ( ولا تعن عليّ ) أي لا تغلب عليّ من يمنعني من طاعتك من شياطين الإنس والجن ( وانصرني ولاتنصر عليّ ) أي اغلبني على الكفار ولا تغلبهم عليّ أو انصرني على نفسي فإنها أعدى أعدائي ولا تنصر النفس الأمارة عليّ بأن أتبع الهوى وأترك الهدى ( وامكر لي ولا تمكر عليّ ) قال الطيبي: المكر الخداع وهو من الله إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون . وقيل: هو استدراج العبد بالطاعة فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة . وقال ابن الملك: المكر الحيلة والفكر في دفع عدوّ بحيث لا يشعر به العدو فالمعنى اللهم اهدني إلى طريق دفع أعدائي عني ولا تهد عدوّي إلى طريق دفعه إياي عن نفسه . قال بعض العارفين في قوله تعالى: 16 ( { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ) [ الأعراف 182 ] : يظهر لهم الكرامات حتى يظنوا أنهم أولياء الله ثم يأخذهم على غفلة وغرة ويميئهم على غفلة ( واهدني ) أي دلني على الخيرات أو على عيوب نفسي ( ويسر الهدى لي ) أي وسهل اتباع الهداية أو طرق الدلالة [ لي ] حتى لا أستثقل الطاعة ولا أشتغل عن العبادة ( وانصرني ) أي بالخصوص ( على من بغي عليّ ) أي ظلمني وتعدى عليّ . قال ابن حجر: هذا تأكيد لا عنى الخ . والصواب ، أنه تخصيص لقوله وانصرني في الأوّل ( رب اجعلني لك ) قدم المتعلق للاهتمام والاختصاص أو لتحقيق مقام الاخلاص ( شاكرًا ) أي على النعماء والآلاء ( لك ذاكرًا ) في الأقات والآناء ( لك راهبًا ) أي خائفًا في السراء والضراء . وفي الحصن لك شكارًا لك رهابًا على وزن فعال بصيغة المبالغة . وقال ابن حجر: أي منقطعًا عن الخلق ، وفيه هذا من لوازم معناه الأعم منه ومن غيره هو بإشارة الصوفية أشبه وأما معنى العبارة فما قدمناه مع أن الرهبانية منسوخة عن هذه الأمة ومراد الصوفية بالإنقطاع إنما هو انصراف الهمة عن الخلق والتعلق بالحق وهذا تارة يصدر وينشأ من غاية الرهبة وتارة يصدر من غاية الرغبة وجمهورهم على أن العبادة والعزلة بوصف من جهة الرجاء والترغيب أفضل من حصول الخوف والترهيب ولهم مقام فوق ذلك وقد علم كل مشربهم وكل قوم في منهاج مذهبهم ومرتبة الجامعية المحمدية . هي أكمل المقامات