إنه كان يوافقهم قبل البعثة وليس كذلك لما جاء في بعض الروايات صريحًا أنه كان يقف مع عامة الناس قبل النبوّة أيضًا كما هو مذكور في الدار المنثور ( فأجاز رسول الله ) أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها وسار من طريق ضب وهو جبل متصل بثبير وهي من مزدلفة في أصل المأزمين على يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة ( حتى أتى عرفة ) أي قاربها ( فوجد القبة ) أي الخيمة المعهودة ( قد ضربت ) أي بنيت ( له بنمرة فنزل بها ) أي بالخيمة وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها خلافًا لما لك وأحمد في مثل هودج ونحو ذلك ( حتى إذا زاغت ) أي نزل بها واستمر فيها حتى إذا مالت ( الشمس ) وزالت عن كبد السماء من جانب الشرق إلى جانب الغرب ( أمر بالقصواء ) أي بإحضارها ( فرجلت له ) على بناء المجهول مخففًا أي شد الرحل عليها للنبي ( فأتى ) أي فركبها فأتى ( بطن الوادي ) موضع بعرفات يسمى عرنة وليست عرفات خلافًا لمالك ومنها بعض مسجد إبراهيم الموجود اليوم . واختلف في محدثه والصحيح إنه منسوب لإبراهيم الخليل باعتبار أنه أول من اتخذه مصلّى . وقيل: إبراهيم القبيسي المنسوب إليه أحد أبواب المسجد كان في أول دولة بني العباس أي فنسب إليه لأنه كان بانيه أو مجدده ( فخاطب الناس ) أي وعظهم وخطب خطبتين الأولى لتعريفهم المناسك والحث على كثرة الذكر والدعاء بعرفة والثانية قصيرة جدًا لمجرد الدعاء ومن ثم قيل إذا أقام أيها شرع المؤذن في الإقامة ليفرغا معًا كما بينه البيهقي ( وقال أن دماءكم وأموالكم ) أي تعرضها ( حرام عليكم ) أي ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض فيريق دمه أو يسلب ماله ( كحرمة يومكم هذا ) يعني تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لهما في يوم عرفة ( في شهركم هذا ) أي ذي الحجة ( في بلدكم هذا ) أي مكة أو الحرم المحترم . وفيه تأكيد حيث جمع بين حرمة الزمان واحترام المكان في تشبيه حرمة الأموال والأبدان ويمكن أن يكون لفًا ونشرًا مشوّشًا بأن تكون حرمة النفس كحرمة البلد لأنه ثابت مستقر في مكانه ، وحرمة المال كحرمة الزمان فإنه غاد ورائح وفيه إيماء إلى قوّة حرمة البلد مؤبدة وحرمة الزمان مؤقتة ومع هذا لا يلزم من نسخها لأنها غير تابعة لها بل مشبهة بها والتشبيه غير لازم من جميع الوجوه ولهذا قال الطيبي رحمه الله شبه في التحريم بيوم عرفة وذي الحجة والبلد لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح فيهما شيء ( ألا ) للتنبيه ( كل شيء ) أي فعله أحدكم ( من أمر الجاهلية ) أي قبل الإسلام ( تحت قدمي ) بالتثنية وفي نسخة بالإفراد والأوّل أدل على المبالغة ( موضوع ) أي كالشيء الموضوع تحت القدم وهو مجاز عن إبطاله والمعنى عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإسلام وتجافيت عنه حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم تقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي ( ودماء الجاهلية موضوعة )