فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 6013

خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريات 56 ] أي ليعرفون ، والمعنى ينظر الغني إلى الفقير فيشكر وينظر الفقير إلى دينه فيرى نعمته فوق الغني فيشكر ، ويرى حسن الصورة جماله فيشكر وقبيح الصورة حسن خصاله فيشكر كذا قاله الطيبي . وهو موهم أن حسن الصورة والسيرة لا يجتمعان ، وأن الغنى والدين متنافيان ، فالأحسن ما قاله شيخنا ابن حجر المكي: إن الغني يرى عظيم نعمة الغني ، والفقير يرى عظيم نعمة المعافاة من كدر الدنيا ونكدها وتعبها الذي لا حاصل له غير طول الحساب وترادف المحن وتوالي العذاب ، وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال الظاهر الدال على الجمال الباطن غالبًا ، وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من المحنة ؛ فكل هؤلاء يرون مزيد تلك النعم عليهم فيشكرون عليها ولو تساووا في وصف واحد لم يتيقظوا لذلك . ( ورأى ) أي آدم ( الأنبياء ) وهم أعم من الرسل ( فيهم ) أي حال كونهم مندرجين في جملتهم ( مثل السرج ) جمع سراج ( عليهم النور ) أي يغلب كأنه بيان لوجه شبههم بالسرج ، فإن الخلق خلقوا في ظلمة والأنبياء أنوار الله عليهم لائحة يهتدون بهم إلى ربهم ، وفيه إشارة إلى أن لأنبياء أيضًا لا يخلون عن ظلمة الأخلاق البشرية ، لكن يغلب عليهم العصمة الإلهية والأنوار الربانية ولذا ، ( خصوا بميثاق آخر ) بعدما دخلوا في عموم ميثاق العوام للإهتمام التام بمرامهم عليهم الصلاة والسلام ، فقوله: ( خصوا ) استئناف ، أو صفة للأنبياء . ( في الرسالة والنبوّة ) أي في شأنهما والقيام بحقهما ، والفرق بينهما أن النبي من أنبأ عن الله سواء أمر بأن أنبىء عن الله أم لا ، والرسول من أمر بتبليغ الرسالة . ( وهو قوله تبارك وتعالى ) أي هذا الميثاق هو المراد من قوله: ( 6( { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } ) إلى قوله 6 ( { عيسى بن مريم } ) ) وما قبله 6 ( { ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى } ) [ الأحزاب 7 ] ففيه تخصيص بعد تعميم ، فإن الخمسة هم أولو العزم على الأصح ، وقدم نبينا في الذكر لتقدمه في الرتبة ، أو في الوجود أيضًا لقوله: ( أوّل ما خلق الله روحي ) وقوله: ( كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد ) . ثم قال تعالى: 6 ( { وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا } ) [ الأحزاب 7 ] أي عظيمًا مؤكدًا يسأل الصادقين عن صدقهم ، والظاهر منه أن الميثاق الخاص هو العهد بالصدق والإخلاص ، والأظهر أن ميثاق الأنبياء إنما هو مظاهرة بعضهم بعضًا بالإيمان والتصديق والنصرة والمعاونة كما قال تعالى في موضع آخر: 6 ( { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم اصري ؟ } ) أي عهدي 6 ( { قالوا أقررنا ، قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } ) [ آل عمران 81 ] وهذا الميثاق الخاص يحتمل أن يكون بعد العام ، والأظهر أن يكون قبله في عالم الأرواح تعظيمًا لهم وتكريمًا ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ( كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت