الجمع [ حيث ] لا تحجبه الكثرة عن الوحدة ولا تحجزه الوحدة عن الكثرة أتم وأكمل من [ النبوّة ] التي هي مقام الجمع الصرف المتخلص عن مقام التفرقة بل قد يقال النبي بمنزلة العابد المشتغب بحال نفسه والرسول في مرتبة العالم المجتهد في أمره وأمر غيره ويشهد له قوله عليه الصلاة والسلام ( فضل العالم على العباد كفضلي على أدناكم ) ويؤيده حديث ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل وإن تكلم في إسناده وأما ما ذهب إليه ابن الهمام [ رحمه الله ] تبعًا لغيره في القول بالترادف بين النبي والرسول فيرده قوله تعالى: 16( { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي } ) [ الحج 52 ] وحديث أحمد في مسنده أن الرسل من الأنبياء ثلثمائة وبضعة عشر جماغفير ( وإني عبدك ونبيك ) ولعله ترك وحبيبك تواضعًا منه عليه الصلاة والسلام أو نسيانًا من الراوي أو وقع هذا قبل العلم بأنه حبيب ( وإنه دعاك لمكة ) أي بقوله فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله ) أي بمثل ذلك المثل ( معه ) والمعنى بضعف ما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( ثم قال ) أي أبو هريرة ( يدعو ) أي النبي قال السيد جمال الدين في المصابيح قال ثم يدعو وأظنه الصواب ( أصغر وليد ) أي مولود ولو قنا روى مكبرًا وقيل مصغرًا أي ولد صغير ( له ) قال في المفاتيح يعني إذا فرغ من الدعاء يدعو أصغر طفل من أهل بيته وقيل من أمته ( فيعطيه ) أي الولد ( ذلك التمر ) ليفرح ذلك الطفل قال الطيبي [ رحمه الله ] وفي رواية ثم يعطيها أصغر وليد يحضره من الولدان ا ه . وهو قابل التقييد والإطلاق ويمكن حمله على التعدد قيل تخصيص الصغير لشدة فرح الولدان بالباكورة وفي أنها حديث العهد بالإيجاد وقيل وفيه تنبيه على أن النفوس الكاملة لا ينبغي لها تناول شيء من أنواع الباكورة بعد ما يعم وجودها ويتم شهودها ويقدر كل أحد على أكلها قال الطيبي وهذه الرواية مطلقة وما في المتن مقيد فأما أن يؤوّل ما في المتن وهو الأنسب أو بحمل المطلق على المقيد وقال عصام الدين [ رحمه الله ] شرح الشمائل وقوله يدعو أصغر وليد ليستمد بسرور قلبه على إجابة دعائه وهذا ألطف مما قالوا من أن ذلك لشدة المناسبة بين الباكورة والوليد في قرب عهدهما من الإيجاد قلت وفيه بحث مع أنه لا منع من الجمع قال وفي بعض الروايات ثم يدعو أصغر وليد له ولعل قوله له متعلق بيدعو وليس قيدًا للوليد أي يدعو للتمر فلا يخالف هذه الرواية بالإطلاق والتقييد ا ه . وبعده لا يخفى والتحقيق أن الروايتين محمولتان على الحالتين والمعنى أنه إذا كان عنده أو قريبًا منه وليد له أعطاه أو وليد آخر من غير أهله أعطاه إذ لا شك أنهما لو اجتمعا لشارك بينهما نعم إذا لم يكن أحد حاضرًا عنده فلا شبهة أنه ينادي أحدًا من أولاد أهله لأنه أحق ببره من غيره ( رواه مسلم ) .