النفوس القدسية لا يضعف إدراكها بضعف الحواس ، أي الحسية لإستراحة القوى البدنية بل ربما يقوى إدراكها عند ضعفها كما هو مشاهد عند أرباب الصوفية . ( فقالوا: مثله كمثل رجل ) أي عظيم كريم ( بني دارًا ) يعني قصته كهذه القصة عن آخرها لا أن حاله كحال هذا الرجل ، فإنه في مقابلة الداعي لا الباني اللهم إلا أن يقدر مضاف ، ويقال: كمثل داعي رجل بنى دارًا ( وجعل ) أي الباني ( فيها ) أي في الدار ( مأدبة ) بضم الدال وتفتح ، طعام عام يدعى الناس إليه كالوليمة ، وقيل: بالفتح مصدر ميمي بمعنى الأدب وهو الدعاء إلى الطعام كالمعتبة بمعنى العتبة ، فعلى هذا يتعين الضم . ( وبعث داعيًا ) يدعو الناس إكرامًا لهم ( إليها ) أي إلى ما يوصل إليها إيماء إلى قوله تعالى: 16 ( { ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان } ) [ آل عمران 193 ] ( فمن أجاب الداعي ) أي قبل دعاءه ( دخل الدار وأكل من المأدبة ) على وجه الإكرام وتمام الأنعام ( ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ) بل طرد من الباب وحرم من الثواب واستحق العقاب . ( فقالوا: ) أي فقال بعض الملائكة لبعض ( أوّلوها له ) أي فسروا الحكاية التمثيلية لمحمد مِنْ أوّل تأويلًا إذا فسر بما يؤل إليه الشيء ( يفقهها ) بالجزم جواب الأمر ، أي يفهمها ثم يفهمها ( قال بعضهم: ) باعتبار ما في ظنه ( إنه نائم ) فهو غير فاهم ( وقال بعضهم: إن العين ) أي عينه ( نائمة والقلب ) أي قلبه ( يقظان ) فيدرك البيان ، وكرروا هذا لينبه السامعون إلى هذه المنقبة العظيمة ، وهي نوم العين ويقظة القلب ( فقالوا: الدار ) أي مثلها ( الجنة ) أي نفسها فإنها دار المتقين كما في القرآن المبين ، والمأدبة نعيمها وترك بيانها لظهورها ، وقيل: لإشتمال الجنة عليها لأنها دار المأدبة ( والداعي محمد ) قال تعالى في حقه: 16 ( { وداعيًا إلى الله بإذنه } ) [ الأحزاب 46 ] ( فمن أطاع ) الفاء للسببية ، أي لما كان هو الداعي فمن أطاع ( محمدًا فقد أطاع الله ) قال الطيبي: رُوعي في التأويل حسن أدب حيث لم يصرح بالمشبه بالرجل لكن لمح إليه في قوله: ( فقد أطاع الله ) ( ومن عصى محمدًا ) أظهر الضمير مبالغة في تعظيمه وحمده ، قال ابن حجر: وبه يندفع وهم الرجوع إلى غيره . ( فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس ) ) رُوي مشددًا على صيغة الفعل ، ومخففًا على المصدر كذا قاله الطيبي . وقال السيد جمال الدين: مصدر وصف به للمبالغة ، أي فارق بين المؤمن والكافر والصالح والفاسق ، وقال ميرك شاه: كذا وقع عند أكثر رواة البخاري بسكون الراء والتنوين . ( رواه البخاري ) .