عليه فينتهوا عنه ؛ فعلى هذا قول الجمهور لا ينافي الإجماع المذكور ، قال المظهر: ظنوا أن وظائف رسول الله كثيرة فلما سمعوها عدوها قليلة وقد راعوا الأدب حيث لم ينسبوه إلى التقصير بل أظهروا كماله ولاموا أنفسهم في مقابلتهم إياها بالنبي . وفيه تعليم للمريد بأن لا ينظر إلى الشيخ بعين الإحتقار وإن رأى عبادته قليلة فليظهر عذره وليلم نفسه إن جرى فيها إنكار على شيخه ، لأن من اعترض على شيخه لم يفلح أبدًا ، وفيه أن قلة وظائف النبي كانت رحمة على الأمة لئلا يتضرروا بالإقتداء إذ لأنفسهم عليهم حق ولأزواجهم عليهم حق ، فإن الإنسان محتاج إلى الطعام ليتقوّى صلبه ، والرجال محتاجون إلى النساء لبقاء النسل . ( فقال أحدهم: أما أنا ) أي أما رسول الله فقد خص بالمغفرة العامة فلا عليه أن لا يكثر العبادة ، وأما أنا فلست مثله . ( فأصلي الليل ) أي أحييه بالصلاة ، والظاهر أنه وما قبله عزم على ما ذكر ، ويحتمل الإخبار عن ذلك . ( أبدًا ) أي طول الليل ، أو دائمًا غير مختص بليل دون ليل . ( وقال الآخر: أنا أصوم النهار ) أي أبدًا كما في نسخة ، لكن يستغنى عنه بقوله: ( ولا أفطر ) أي بالنهار ، يعني غير الأيام الخمسة المنهية ( وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ) أي اجتنبهن ( فلا أتزوّج ) أي منهن أحدًا ( أبدًا ) فإنهن والإشتغال بهن يمنع الشخص عن العبادة ، ويوقعه في طلب الدنيا والحرص على تحصيلها في العادة ، وهو خلاف سلوك أهل الإرادة من السادة . ( فجاء النبي إليهم ) وقد علم ذلك بأن جاء إلى أهله فأخبروه ، وإما بالوحي ( فقال: أنتم ) أي أأنتم فحذفت همزة الإستفهام التي للإنكار من قبل أنتم الذي هو الفاعل المعنوي المزال عن مقره على حد: 16 ( { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله } ) [ المائدة 116 ] مبالغة في الإنكار عليهم ( الذين قلتم كذا وكذا ؟ ) كناية عما تقدم ( أما ) بالتخفيف حرف تنبيه واستفتاح بمنزلة ألا ، ويكثر قبل القسم ، وقيل: معناه حقًا ، وأعرب ابن حجر: وقال الهمزة للإستفهام الإنكاري وما حرف تنبيه ( والله إني لأخشاكم ) قال القاضي: أي أنا أعلم به وبما هو أعز لديه وأكرم عنده ، فلو كان ما استأثرتموه من الإفراط في الرياضة أحسن مما أنا عليه من الإعتدال لما أعرضت عنه ، وقوله: ( لله ) مفعول به لأخشاكم وأفعل لا يعمل في الظاهر إلا في الظرف ( وأتقاكم له ) إشارة إلى أن الخشية التي لا تورث التقوى لا عبرة بها ( لكني أصوم ) استدراك عن محذوف ، أي أنا أخشاكم لله ، فينبغي على زعمكم ، أو في الحقيقة أن أقوم في الرياضة إلى أقصى مداه لكن أقتصد وأتوسط فيها فأصوم في وقت ( وأفطر ) في آخر ( وأصلي ) بعض الليل ( وأرقد ) في بعضه ( وأتزوّج النساء ) ولا أزهد فيهن ، وكمال الرجل أن يقوم بحقهن مع القيام بحقوق الله تعالى والتوكل عليه والتفويض إليه ، وهذا كله ليقتدي بي الأمة ، ( فمن رغب ) أي مال وأعرض ( عن سنتي ) أي استهانة وزهدًا فيها لا كسلًا وتهاونًا ( فليس مني ) أي من أشياعي ، وضع قوله: ( عن سنتي ) مكان ذلك ليشمل كل ما جاء به من المذكور وغيره ومن في ( مني )