الصحيفة عطف على ما في القرآن لعله تعريض بتوجيه الشيخ التوربشتي حيث قال: حلف حلفة أن ليس عنده من ذلك شيء سوى القرآن ، ثم استثنى استثناء أراد به استدراك معنى اشتبه عليهم معرفته ، فقال إلا فهما يعطى رجل في كتابه: والمعنى أن التفاوت في العلوم لم يوجد من قبل البلاغ . وإنما وقع من قبل الفهم ، ثم قرن بذلك ما في الصحيفة احتياطًا في يمينه ، وحذرًا من أن يكون ما في الصحيفة عند غيره فحسب . إنه عطف على قوله: إلا فهما ، ولو ذهب إلى إجراء المتصل مجرى المنقطع على عكس قول الشاعر: %(
وبلدة ليس بها أنيس %
إلا اليعافير وإلا العيس )%
فيؤوّل قوله: ألا فهما يعطى بقوله: ما يستنبط من كلام الله تعالى بفهم رزقه الله لم يستبعد ، فيكون المعنى ليس عندنا شيء قط إلا ما في القرآن ، وما في الفهم من الاستنباط منه ، وما في الصحيفة . وقد علم وحقق أن الاستنباط من القرآن منه ، وأن ما في الصحيفة لا يخلو من أن يكون منصوصًا في القرآن ، أو مستنبطًا منه فيلزم أن لا شيء خارج عنه كما قال تعالى: 16 ( { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } ) [ الأنعام 59 ] وهذا فنّ غريب ، وأسلوب عجيب . فحينئذ يحسن رد من زعم أن النبي خص أهل بيته من علم الوحي بما لم يخص به غيرهم ، ومن زعم أنه جعله خليفة بعده . قال أبو الحسن الصنعاني في الدر الملتقط: ومن الموضوع قولهم قال النبي في المرض الذي توفي فيه: ( يا علي ادع بصحيفة ودواة فأملى رسول الله وكتب عليّ وشهد جبريل ثم طويت الصحيفة ) . قال الراوي: فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها ، وكتبها ، وشهدها فلا تصدقوه . وقولهم وصي ، وموضع سري ، وخليفتي في أهلي ، وخير من أخلف بعدي علي بن أبي طالب ( رواه البخاري ) قال الجزري في أسنى المناقب: وكذا أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، واتفق البخاري ومسلم ، وأبو داود والترمذي على إخراجه من طريق يزيد بن شريك التيمي وهو والد إبراهيم التيمي . ولفظه ما عندنا شيء يقرأ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة المدينة حرام . ورواه الإمام أحمد في مسنده من طريق قيس بن عباد ، ومن طريق عامر الشعبي كلاهما عن علي رضي الله عنه . وذكر الجزري بإسناده عن أبي الطفيل قال: قلنا لعلي رضي الله عنه: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله ، فقال ما أسر إليّ شيئًا كتمه الله الناس ، ولكني سمعته يقول: ( لعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من أوى محدثًا ، ولعن الله من لعن والديه ، ولعن الله من غير تخوم الأرض ) يعني المنار أي العلامة ، قال: هذا الحديث متفق على صحته من طريقه عن علي رضي الله عنه ، فأخرجه مسلم من هذه الطريق ، ولفظه كنت عند عليّ فجاءه رجل فقال: ما كان النبي يسر إليك ؟ فغضب فقال: ما كان يسر إليّ شيئًا يكتمه عن الناس غير أنه حدثني بكلمات قال: ( لعن الله من لعن والديه ) الحديث ، وكذا أخرجه النسائي وروى أحمد