لأن اجتهاده عبادة ، ولا يؤجر على الخطأ ، بل يوضع عنه الإثم فقط ، وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد ، عارفًا بالأصول ، عالمًا بوجوه القياس ، فأما من لم يكن محلًا للاجتهاد ، فهو متكلف ، ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر ، ويدل عليه قوله: ( القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار ) وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة ، وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ، ولا مدخل فيها للتأويل ، فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ ، وكان حكمه في ذلك مردودًا . قال النووي: اختلفوا في أن كل مجتهد مصيب ، أم المصيب واحد ، وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى ، والآخر مخطىء ؛ والأصل عند الشافعي وأصحابه ، الثاني ، لأنه سمي مخطئًا ، ولو كان مصيبًا لم يسم مخطئًا ، وهو محمول على من أخطأ النص أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد . [ ومن ذهب إلى الأول قال: قد جعل للمخطىء أجر ، ولولا إصابته لم يكن له أجر ، وهذا إذا كان أهلًا للاجتهاد ] وأما من ليس بأهل حكم ، فلا يحل له الحكم ، ولا ينفذ ، سواء وافق الحكم أم لا ، لأن إصابته اتفاقية ، فهو عاص في جميع أحكامه اه ، ومذهب أبي حنيفة فيما لا يوجد بيانه في النصوص من الكتاب والسنة والإجماع ، فلا إمكان له إلا بالقياس ، فيكون كمتحري القبلة ، فإنه مصيب وإن أخطأ ، ( متفق عليه ) . ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن العاص وأحمد والستة عن أبي هريرة رضي الله عنه .
( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من جعل ) بصيغة المجهول أي من جعله السلطان ( قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكين ) . قال الطيبي: يحتمل وجوهًا ، الأول ، قال القاضي: يريد به القتل بغيره كالخنق والتغريق والإحراق والحبس عن الطعام والشراب ، فإنه أصعب وأشد من القتل بالسكين لما فيه من مزيد التعذيب وامتداد مدته . الثاني ، أن الذبح إنما يكون في العرف بالسكين ، فعدل به إلى غيره ليعلم أن الذي أراد به ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه . قال صاحب الجامع ؛ قال التوربشتي: وشتان بين