فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 6013

وعيّن حدودًا في المعاصي من القتل والضرب ( فلا تعتدوها ) أي لا تتجاوزوا عن الحد لا بالزيادة ولا بالنقصان قال في النهاية: الحدود هي محارم الله تعالى وعقوباتها التي قرنها بالذنوب ، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين ، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام ؛ فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة ومنه قوله تعالى: 16 ( { تلك حدود الله فلا تقربوها } ) [ البقرة 187 ] ومنها ما لا تتعدى كالمواريث المعينة وتزويج الأربعة ومنه قوله تعالى: 16 ( { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ) [ البقرة 229 ] والتلخيص أن حدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة ومنه تعيين الركعات والأوقات وما وجب إخراجه في الزكوات وإثباتها في الحج وحدود العقوبات ، فكأنه تقرير وتأكيد للقسمين المتقدمين . هذا وفي كلام الصوفية أن العبد يتقلب في جميع الأوقات على الحدود ولكل عمل حد ولكل وقت حد ولكل حال ومقام حد ، فمن تخطاها فقد ضل سواء السبيل . ( وسكت عن أشياء ) أي ترك ذكر أشياء ، أي حكمها من الوجوب والحرمة والحل ( من غير نسيان ) بل من رحمة وإحسان ، وفي الأربعين: ( رحمة لكم غير نسيان بنصب رحمة على العلة ونصب غير على الحالية . والنسيان هو ترك الفعل بلا قصد بعد حصول العلم بخلاف السهو .( فلا تبحثوا عنها ) أي لا تفتشوا عن تلك الأشياء ، دل على أن الأصل في الأشياء الإباحة كقوله تعالى: 16 ( { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا } ) [ البقرة 29 ] .

هذا وقال بعض العارفين: أعلم أن الله تعالى تجلى على عامة عباده بأفعاله وآياته المنبثة في أرضه وسمائه ، ولخواص أصفيائه بصفاته العظمى ، ولأعظم أنبيائه بذاته وحقائق صفاته ، وخصه بذلك دون غيره من عرفانه رحمة لهم غير نسيان ، إذ ما قام عظيم عند عظمته إلا كلّ وزلّ ، ولا استقام كبير دون كبريائه إلا هام وقام كما قال جل جلاله وعم نواله: لا يراني حي إلا مات ولا يابس ألا تدهده ولا رطب إلا تفرق ، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم ، ولذا قال: فلا تبحثوا عنها ، أي لا تتفكروا فيها ؛ فإن الباب إلى وصول معرفة كنه الذات مردود والطريق إلى كنه الصفات مسدود ، تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله: %(

العجز عن درك الإدراك إدراك %

والبحث عن سر ذات الرب إشراك )%

( روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني ) وقال النووي في الأخير حديث حسن رواه الدارقطني وغيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت