وفي رواية ثم حرق أي زروعهم وأشجارهم وديارهم ، قال ابن الهمام: إذا أراد الإمام العود ومعه مواش من مواشي أهل الحرب ولم يقدر على نقلها إلى دار الإسلام ذبحها ثم حرقها ولا يعقرها كما نقل عن مالك لما فيه من المثلة بالحيوان ، وعقر جعفر بن أبي طالب فرسه ربما كان لظنه عدم الفتح في تلك الوقعة فخشي أن ينال المشركون فرسه ، فلم يتمكن من الذبح لضيق الحال عنه بالشغل بالقتل ، أو كان قبل نسخ المثلة ، أو علمه بها ، ولا يتركها لهم . وقال الشافعي وأحمد: يتركها لأنه عليه السلام نهى عن ذبح الشاة إلا لمآكلة . قلنا: هذا غريب عنه عليه السلام ، نعم روي من قول أبي بكر نفسه ، رواه مالك في موطئه ثم هو محمول على ما إذا أيقن الفتح وصيرورة البلاد دار الإسلام ، وكان ذلك هو المستمر في بعوث أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فباعتباره كان ذلك ، وقد قلنا بذلك ، وذكرنا فيما تقدم أنه إذا كان كذلك ، فلا يحرق ولا يخرب لأنه إتلاف مال المسلمين ، ألا ترى إلى قول أبي بكر رضي الله عنه عنه في الحديث المذكور ( ولا تحرق ) وهو قد علم قوله عليه الصلاة والسلام أغر على ابني صباحًا ، ثم حرق بقي مجرد ذبح الحيوان ، وأنه لغرض الأكل جائز لأنه غرض صحيح ، ولا غرض أصح من كسر شوكتهم وتعريضهم على المهلكة والموت ، وإنما يحرق لقطع منفعة عن الكفار ، وصار كتخريب البنيان والتحريق لهذا الغرض الكريم بخلاف التحريق قبل الذبح لأنه منهي عنه ، وفيه أحاديث كثيرة منها حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله في بعث فقال لنا: ( إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار ) فلما خرجنا دعانا رسول الله وقال: ( إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاقتلوهما ولا تحرقوهما ، فإنه لا يعذب بها إلا الله ) . ورواه البزار وسماهما هبار بن الأسود ونافع بن عبد القيس وطوّله البيهقي ، وذكر أن السبب أنهما كانا روّعًا زينب بنت رسول الله حين خرجت لاحقة به حتى ألقت ما في بطنها ، والقصة مفصلة عند ابن إسحاق معروفة لأهل السير ، وذكر البخاري أيضًا تحريق علي الزنادقة الذين أتى بهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله: ( لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم ) لقوله ( من بدّل دينه فاقتلوه ) وأخرج البزار في مسنده عن عثمان بن حبان قال: كنت عند أم الدرداء فأخذت برغوثًا فرميته في النار فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله: ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ) وأما ما في فتاوى الوالجي بترك النساء والصبيان في أرض غامرة أي خربة حتى يموتوا جوعًا ، كيلا يعودوا حربًا علينا لأن النساء بهن النسل والصبيان يبلغون فيصيرون حربًا علينا . فبعيد لأنه قتل بما هو أشد من القتل الذي نهى عنه النبي في النساء والصبيان لما فيه من التعذيب ، ثم هم قد صاروا أسارى بعد الاستيلاء ، وقد أوصى النبي بالأسرى خيرًا . حدث ابن إسحاق عن نبيه بن وهب أخي بني عبد الدار: إن رسول الله حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه وقال: ( استوصوا بالأسارى خيرًا ) فقال أبو عزير مولى أخي مصعب بن عمير ، ورجل من الأنصار ( فأسرني ) فقال له: ( شد يديك به فإن أمه ذات متاع ) قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر ، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر بوصية رسول الله