( نحن في المسجد خرج النبي فقال: انطلقوا ) أي اذهبوا معي ( إلى يهود فخرجنا معه ) أي من المسجد أو من المدينة ( حتى جئنا بيت المدراس ) . قال القاضي: مفعال من الدراسة إما للمبالغة كالمكثار والمعطاء ، والمراد صاحب دراسة كتبهم الذي يدارسها للناس ، وإما بمعنى المدرسة . والمراد به الموضع الذي يقرأ فيه أهل الكتاب كتبهم ويدرسونها فيه ، وإضافة البيت إليه كإضافة المسجد إلى الجامع ، ويدل على المعنى الثاني أن بعض الروايات الصحاح حتى أتى المدراس ( فقام النبي ) أي فوقف عليهم ، والمعنى فثبت قائمًا ولم يجلس ( فقال: يا معشر يهود اسلموا ) أمر من الإسلام ( تسلموا ) جواب الأمر من السلامة [ أي ] تنجوا من الذل في الدنيا والعذاب في العقبى . قال الطيبي: قوله: تسلموا من العام الذي خص منه البعض بقرينة الحال أي تسلموا من الاجلاء ، وفائدته أن أوّل ما يسلمون من الآفات هو الاجلاء ومفارقة الأوطان المألوفة التي هي أشد البلاء ، ومن ثم فسر قوله تعالى: 16 ( { والفتنة أشد من القتل } ) [ البقرة 191 ] بالإخراج من الوطن لأنه عقب بقوله: 16 ( { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } ) [ البقرة 191 ] وأنشد: %(
لقتل بحد السيف أهون موقعًا %
على النفس من قتل بحد فراق )%
وقال: %(
يقولون إن الموت صعب %
وإنما مفارقة الأوطان والله أصعب )%
( اعلموا ) استئناف كلام توطئة لما بعده بعد اليأس مما قبله . وقال الطيبي: ( اعلموا ) جملة مستأنفة فإنه لما خاطبهم بقوله: ( اسلموا تسلموا ) اتجه لهم أن يقولوا: لم ذا تخاطبنا بهذا وما سنح لك من الرأي قال: اعلموا ( أن الأرض لله ) أي حقيقة لقوله تعالى: 16 ( { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } ) [ الأعراف 128 ] ( ولرسوله ) أي شريعة وتبعًا وعاقبة . قال الطيبي: ومعنى قوله: إن الأرض لله ولرسوله ، كما في قوله تعالى: 16 ( { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } ) أي أرضكم هذه قد تعلقت مشيئة الله تعالى بأن يورثها المسلمين ففارقوها ، وإنما أسند الجلاء إلى نفسه لأنه خليفة الله في أرضه تعظيمًا لشأنه ، وإن إجلاءه إجلاؤه نحو قوله تعالى: 16 ( { قل الأنفال لله والرسول } ) [ الأنفال 1 ] اه وحاصل كلامه أن ذكر الله للتزيين كما في قوله تعالى: 16 ( { يخادعون الله والذين آمنوا } ) [ البقرة 9 ] ( وأني ) بفتح الهمزة عطفًا على ما سبق ؛ وفي نسخة بالكسر أي والحال أني ( أريد أن أجليكم ) من الاجلاء أي أبعدكم وأخرجكم ( من هذه الأرض ) أي من جزيرة العرب والخطاب لمن بقي في المدينة ومن حولها من اليهود بعد إخراج بني النضير ، وقتل بني قريظة كيهود بني قينقاع ، فإن إجلاء بني النضير كان في السنة الرابعة من الهجرة ، وقتل قريظة في خامسها ، وإسلام أبي هريرة رضي الله عنه في السنة السابعة ، فيكون ما ذكره بعد ذلك بسنتين ( فمن وجد منكم بماله ) أي من ماله