لمسلم ( يأكل منه ) أي من التمر ( أكلًا ذريعًا ) أي مستعجلًا سريعًا . قال النووي: وكان استعجاله لاستيفازه لأمر أهم من ذلك فأسرع في الأكل ليقضي حاجته له ويرد الجوعة ثم يذهب في ذلك الشغل . ( رواه مسلم ) . وفي الشمائل للترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه أتي رسول الله بتمر فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع أي لأجله ، والمعنى أن إقعاءه وإسراعه كان لأجل جوعه ، ووقع في بعض الروايات وهو محتفز . قال الجوهري: الإقعاء عند أهل اللغة أن يلصق الرجل إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند ظهره ، وقال الفقهاء في الإقعاء المنهي للصلاة: هو أن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين . قال الجزري في النهاية ومن الأوّل حديث ( إنه كان يأكل مقعيًا ) أي يجلس عند الأكل على وركيه مستوفزًا غير متمكن ، وتبعه العسقلاني . وفي القاموس ( أقعي في جلوسه ) أي تساند إلى ما وراءه ، وحينئذ فيجمع بين قوله ونفل الجوهري عن اللغويين والفقهاء بالجمع بين هيئة الاحتباء والتساند إلى الوراء ، فمعنى وهو مقع من الجوع محتبيًا مستندًا لما وراءه من الضعف الحاصل له بسبب الجوع ، وبما تحرر تقرر أن الاستناد ليس من مندوبات الأكل بل من ضروراته لأنه لم يفعله إلا لذلك الضعف الحاصل له الحامل عليه والله أعلم .
( وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله أن يقرن ) بضم الراء ، وفي نسخة بكسرها ، ففي المصباح قرن من باب نصر ، وفي لغة من باب ضرب ، وفي القاموس قرن بين الحج والعمرة قرانًا جمع كأقرن في لغية ، والقران ككتاب الجمع بين التمرتين في الأكل أي يجمع الرجل ( بين التمرتين ) أي بأن يأكلهما دفعة ( حتى يستأذن ) أي الرجل ( أصحابه ) أي رفقاءه أو أصحاب الطعام . قال بعض علمائنا: هذا إذا أضافهم أحد ، فإن خلطوا طعامهم وأكلوا معًا يجوز أم لا: قال الأئمة: يجوز ، لكن لا يجوز أن يقصد الرجل منهم لقمة أكبر من لقمة صاحبه ، فإن اتفق أكل أحدهم أكثر بلا قصد جاز اه . وقيل: هذا إذا كان زمان قحط ، أو كان الطعام قليلًا ، والآكالون كثيرًا فإنه إذ ذاك يحتاج إلى الاستئذان ، قال السيوطي في الحديث: نهى عن القران ، وسببه أنهم كانوا في ضيق من العيش ثم نسخ لما حصلت التوسعة لخبر كنت نهيتكم عن القران في التمر ، وإن الله وسع عليكم فقارنوا أي إن شئتم ، وفي شرح السنة فيه دليل على جواز المناهدة ، وهي أن يخرجوا نفقاتهم على قدر عدد الرفقة ، وإن كان المسلمون لا يرون بها بأسًا وإن تفاوتوا في الأكل عادة إذا لم يقصد مغالبة صاحبه ؛ وقال الخطابي: إنما جاء النهي عن القران لعلة معلومة ، وهي ما كان القوم فيه من شدة العيش وضيق الطعام . وأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الاذن . قال النووي [ رحمه الله ] وليس كما