الشيخ أبو منصور: الماتريدي ، هذا الرجل شر من عابد الوثن قلت: وإنما يكون شرًا منه لكونه يثبت لله تعالى ما لا يليق به من الكمية والكيفية في الهوية الألوهية الذاتية وصدور المكان ومرور الزمان وسائر الأحوال والصفات التنزيهية وقد يكون عابد الوثن خاليًا عن ذلك فيكون كفره بمجرد الإشراك ، ثم قال: وهذه مسألة اختلف فيها مشايخ بخارى وسمرقند ، قال مشايخ سمرقند: رؤية الله تعالى في المنام باطل لا تكون لأن ما يرى في المنام لا يكون عين المولى بل خيال له ، والله منزه عن ذلك قلت: وما أظن أن قول مشايخ بخارى: يكون على خلاف ذلك فيتحصل اتفاقهم على أن رؤياه على وجه ما رآه باطلة لا أنها من أصلها لأحقية ولا حقيقية لشأنها وعلى تقدير القول ببطلانها مطلقًا ، فإذا قال الشخص رأيت منامًا ويكون باطلًا فما وجه تكفيره مع أنه في الجملة صادق في رؤياه ولم يكفر من يكذب ويفتري ، وينسب إلى عينه ما لم تره هذا ، وقد تقدم في أوّل الكتاب أنه قال: رأيت ربي عزَّ وجلّ في أحسن صورة ، وذكرنا توجيهاته على تقدير أن تكون الرؤية حال اليقظة ، ومن جملة تأويلاته أنه مستند إلى رؤيا رآها رسول الله في المنام ، فإنه روى الطبراني بإسناده ، عن مالك بن عامر عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، قال: احتبس علينا رسول الله صلاة الغدوة حتى كادت الشمس تطلع فلما صلى الغدوة قال: إني صليت الليلة ما قضي لي ، ووضعت جنبي في المسجد ، فأتاني ربي في أحسن صورة . قال التوربشتي من أئمتنا . فعلى هذا لم يكن فيه إشكال إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلًا والمتشكل بغير شكله ، ثم لم يعد ذلك خللًا في الرؤيا ولا في الرائي بل لأسباب أخر ، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء إلى تعبير اه كلامه ، وهو في غاية التحقيق وبالله التوفيق . ثم قال: وترك الكلام في هذه المسألة أحسن قلت: لا والله ، بل التحقيق والتثبت فيها أفضل ، بل هو المتعين لأنها كثيرة الوقوع فيحتاج إلى تفصيلها وتبيينها حتى لا يقع المفتي في تكفير مسلم ، ولا مسلم في كفر من اعتقاد باطل ، والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . قال الطيبي: قول المازري وأبي حامد: من واد واحد ، ويمكن أن يرجح قول الباقلاني بأن يقال: إن أثبت الروايات هي فقد رأى الحق فلا بد من تقدير ما يستقيم أن يقع الجزاء مسببًا من الشرط ويترتب على العلل المعللة ، فالمعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت ، فليستبشر ، وليعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله تعالى وهي المبشرات لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب إلى الباطل الذي هو الشيطان ، فإن الشيطان لم يتمثل بي ، وكيف لا تكون مبشرات وهو البشير النذير والسراج المنير ، وهو الرحمة المهداة إلى كافة الخلق ، قال تعالى: 16 ( { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ) [ الأنبياء 107 ] وعلى هذا أيضًا الرواية الأخرى فقد رآني الحق أي رؤية الحق لا الباطل ، وكذا الرواية الأخرى فقد رآني ، فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الكمال ، والغاية أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها ، كقوله: ( من كانت هجرته إلى الله فهجرته إلى الله ) ولا كمال أكمل من الحق كما لا نقص أنقص من الباطل ، والباطل هو الكذب ، ويؤيده حديث أبي هريرة رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة وما كان من النبوّة فإنه لا يكذب فحينئذ لا يفتقر إلى تلك التكلفات والتمحلات ، ولا