يكشف الأستار عن تلك الأسرار إلا من تدرب في علم المعاني واعتلى شامخ البيان ، وعرف كيف يؤلف الكلام ، ويصنف ويرتب النظام ، ويرصف ، قلت: هذا خطبة بليغة عظيمة فيها مبالغة جسيمة وسيمة لكن لا نعرف ما المراد من التكلفات والتمحلات وسائر ما عبر عنه بالأستار عن الأسرار المغيبات ، فإنه ما سبق إلا كلام السابقين في ميدان البلاغة ، والمصدرين في إيوان الفصاحة من الشارح الأوّل وهو العلم الأكمل الشيخ التوربشتي ، ومن شارح مسلم وهو الإمام محيي الدين النووي المشتمل كلامه على نقل مقول ابن الباقلاني والمازري وكلام القاضي عياض وهم عمدة المحققين وزبدة المدققين ، ثم ختم المبحث بقول حجة الإسلام والقشيري مقتدى الأنام فرحم الله من أنصف ولم يتجاوز قدره ولم يتعسف ، ومع هذا نقول التسليم أسلم والله أعلم .
( وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله:( من رآني فقد رأى الحق ) ) . المراد بالحق هنا ضد الباطل فما يتوهم من خلافه هو الباطل ، والأظهر أن المراد بالحق هنا الصدق الذي ضده الكذب أي فقد صدقت رؤياه فإنه قد رآني لا غيري ، ويدل عليه ما في رواية أخرى من قوله: ( فقد رآني الحق ) أي رؤية الحق أو معناه فقد رأى رؤيا الحق . ( متفق عليه ) . وفي الجامع الصغير رواه أحمد والشيخان عنه بلفظ: ( من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يترآآني ) .
( وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله:( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ) ) أي في الدنيا أو في الآخرة ، قال النووي: فيه أقوال: أحدها أن يراد به أهل عصره ، ومعناه أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ، ورؤيته في اليقظة عيانًا ؛ وثانيها أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة لأنه يراه في الآخرة جميع أمته ، وثالثها أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته ونحو ذلك ، (( ولا يتمثل الشيطان بي ) ) . في شرح مسلم للنووي عن القاضي عياض قال بعضهم: خص الله