فهرس الكتاب

الصفحة 4487 من 6013

( فخطبا ) أي بكلمات محسنات جامعة للبلاغة والفصاحة ( فعجب الناس لبيانهما ) أي ولفصاحة لسانهما وغرابة شأنهما ( فقال رسول الله:( إن من البيان لسحرًا ) ) أي في استمالة القلوب كالسحر قال التوربشتي: وكان هذا القول منه عند قدوم وفد بني تميم ، وكان فيهم الزبرقان وعمرو ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيثهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك فقال عمرو: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أذنه فقال الزبرقان: ( والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال ، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد ) فقال عمرو: ( أنا أحسدك ، فوالله أنك لئيم ) الحال حديث المال ضيق العطن حمق الولد مضيع في الغيرة ، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أوّلًا وما كذبت فيما قلت آخرًا ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت ، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعًا فقال النبي إن من البيان لسحرًا قال الميداني: يضرب هذا المثل في استحسان المنطق ، وإيراد الحجة البالغة اه . والأظهر أنه ذو وجهين ، والمعنى أن بعض البيان بمنزلة السحر في ميلان القلوب له أو في العجز عن الإتيان بمثله ، وهذا النوع ممدوح إذا صرف إلى الحق كمذمة الخمر مثلًا ومذموم إذا صرف إلى الباطل كمدحها مثلًا ، وفي شرح السنة اختلفوا في تأويله فمنهم من حمله على الذم وذلك أنه ذم التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه ليروق للسامعين قوله وليستميل به قلوبهم ، وأصل السحر في كلامهم الصرف وسمي السحر سحرًا لأنه مصروف عن جهته فهذا المتكلم ببيانه يصرف قلوب السامعين إلى قبول قوله وإن كان غير حق ، أو المراد من صرف الكلام فضله وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة قد يدخله الرياء ويخالطه الكذب ، وأيضًا قد يحيل الشيء عن ظاهره ببيانه ويزيله عن موضعه بلسانه إرادة التلبيس عليهم فيصير بمنزلة السحر الذي هو تخييل لا حقيقة له ، وقيل: أراد به أن من البيان ما يكتسب به صاحبه من الاثم ما يكتسب الساحر بسحره ، وقيل: معناه الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وشاهده قول النبي: ( إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ) الحديث . وذهب آخرون إلى أن المراد منه مدح البيان ، والحث على تحسين الكلام ، وتحبير الألفاظ لأن إحدى القرينتين وهو قوله: ( إن من الشعر حكمًا ) . على طريق المدح ، فكذلك القرينة الأخرى ، وقال شارح: هذا ورد للذم أي أن من البيان نوعًا يحل من العقول والقلوب محل السحر ، فإن الساحر بسحره يزين الباطل في عين المسحور حتى يراه حقًا ، وكذا المتكلم بمهارته في البيان وتفننه في البلاغة وترصيف النظم يسلب عقل السامع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت